وإنما تعرف أمنيتك لو قد زرتك في المهاجرين من أهل الشام بقية الإسلام ، فيحيطون بك من
ورائك ، ثم يقضي الله علمه فيك ، والسلام على أولياء الله .
رد الإمام علي على معاوية
فأجابه علي : أما بعد ، فقدر الأمور تقدير من ينظر لنفسه دون جند ، ولا يشتغل بالهزل
من قوله ، فلعمري لئن كانت قوتي بأهل العراق ، أوثق عندي من قوتي بالله ومعرفتي به فليس
عنده بالله تعالى يقين من كان على هذا ، فناج نفسك مناجاة من يستغني بالجد دون الهزل ، فإن
في القول سعة ، ولن يعذر مثلك فيما طمح إليه الرجال . وأما ما ذكرت من أنا كنا وإياكم يدا
جامعة فكنا كما ذكرت ، ففرق بيننا وبينكم أن الله بعث رسوله منا ، فآمنا به وكفرتم ، ثم زعمت
أني قتلت طلحة والزبير ، فذلك أمر غبت عنه ولم تحضره ، ولو حضرته لعلمته ، فلا عليك ،
ولا العذر فيه إليك ، وزعمت أنك زائري في المهاجرين ، وقد انقطعت الهجرة حين أسر أخوك ،
فإن يك فيك عجل فاسترقه ( 1 ) وإن أزرك فجدير أن يكون الله بعثني عليك للنقمة
منك ، والسلام .
قدوم عقيل بن أبي طالب على معاوية
قال : وذكروا أن عقيل بن أبي طالب قدم على أخيه علي بالكوفة ، فقال له علي : مرحبا بك
وأهلا . ما أقدمك يا أخي : قال : تأخر العطاء عنا : وغلاء السعر ببلدنا ، وركبني دين عظيم ،
فجئت لتصلني . فقال علي : والله ما لي مما ترى شيئا إلا عطائي ، فإذا خرج فهو لك . فقال عقيل :
وإنما شخوصي من الحجاز إليك من أجل عطائك ؟ وماذا يبلغ مني عطاؤك ؟ وما يدفع من حاجتي ؟
فقال علي : فمه ! هل تعلم لي مالا غيره ؟ أم تريد أن يحرقني الله في نار جهنم في صلتك بأموال المسلمين ؟
فقال عقيل : والله لأخرجن إلى رجل هو أوصل لي منك : " يريد معاوية " ، فقال له علي : راشدا
مهديا . فخرج عقيل ! حتى أتى معاوية . فلما قدم عليه ، قال له معاوية : مرحبا وأهلا بك يا بن أبي طالب .
ما أقدمك علي ؟ فقال : قدمت عليك لدين عظيم ركبني ، فخرجت إلى أخي ليصلني ، فزعم أنه
ليس له مما يلي إلا عطاؤه ، فلم يقع ذلك مني موقعا ، ولم يسد مني مسدا ، فأخبرته أني سأخرج
إلى رجل هو أوصل منه لي ، فجئتك . فازداد معاوية فيه رغبة ، وقال : يا أهل الشام هذا سيد
قريش ، وابن سيدها ، عرف الذي فيه أخوه من الغواية والضلالة ، فأثاب إلى أهل الدعاء إلى
هامش
( 1 ) العجل : الاستعجال ، واسترفه : تأن واسترح .