ابن أبي بكر : إلى متى ؟ قد والله أعذرنا وأعذرت إن كنت تريد الإعذار ، والله لتأذنن لنا
في لقاء القوم أو لننصرفن . إلى متى تستهدف نحورنا للقتال والسلاح ، يقتلوننا رجلا رجلا ؟
فقال علي : قد والله أرانا أعذرنا . أين محمد ابني ؟ فقال : هأنذا . فقال : أي بني ، خذ الراية ،
فابتدر الحسن والحسين ليأخذاها ، فأخرهما عنها ، وكان على يؤخرهما شفقة عليهما ، فأخذ محمد
الراية ، ثم قام علي ، فركب بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم دعا بدرع رسول الله صلى
الله عليه وسلم فلبسها ، ثم قال : احزموني ، فحزم بعمامة أسفل من سرته ، ثم خرج وكان
عظيم البطن ، فقال لابنه : تقدم وتضعضع ( 1 ) الناس حين سمعوا به قد تحرك ، فبينما هم كذلك
إذ سمعوا صوتا ، فقال علي : ما هذا ؟ فقيل عائشة تلعن قتلة عثمان . فقال علي ورفع بصره
إلى السماء : لعن الله قتلة عثمان في السهل والجبل ، وقد كان علي عبأ الناس أثلاثا ، فجعل مصر
قلب العسكر ، واليمن ميمنته ، وربيعة ميسرته ، وعبأ أهل البصرة مثل ذلك ، فاقتتل القوم
قتالا شديدا ، فهزمت يمن البصرة يمن علي ، وهزمت ربيعة البصرة ربيعة علي ، قال حية بن
جهين : نظرت إلى علي وهو يخفق نعاسا فقلت له : تالله ما رأيت كاليوم قط ، إن بإزائنا
لمائة ألف سيف ، وقد هزمت ميمنتك وميسرتك ، وأنت تخفق نعاسا ، فانتبه ورفع يديه ،
وقال : اللهم إنك تعلم أني ما كتبت في عثمان سوادا في بياض ، وأن الزبير وطلحة ألبا وأجلبا
على الناس ، اللهم أولانا بدم عثمان فخذه اليوم . ثم تقدم علي فنظر إلى أصحابه يهزمون ويقتلون
فلما نظر إلى ذلك صاح بابنه محمد ومعه الراية ، أن اقتحم ، فأبطأ وثبت ، فأتى علي من خلفه ،
فضربه بين كتفيه ، وأخذ الراية من يده ، ثم حمل ، فدخل عسكرهم وإن الميمنتين والميسرتين
تضطربان ، في إحداهما عمار ، وفي الأخرى عبد الله بن عباس ، ومحمد بن أبي بكر ، قال :
فشق علي في عسكر القوم يطعن ويقتل ، ثم خرج وهو يقول : الماء الماء ، فأتاه رجل بإداوة فيها عسل
فقال له : يا أمير المؤمنين ، أما الماء فإنه لا يصلح لك في هذا المقام ، ولكن أدوقك هذا العسل
فقال : هات ، فحسا منه حسوة ، ثم قال : إن عسلك لطائفي ( 2 ) ، قال الرجل : لعجبا منك
والله يا أمير المؤمنين ، لمعرفتك الطائفي من غيره في هذا اليوم ، وقد بلغت القلوب الحناجر
فقال له علي : إنه والله يا بن أخي ما ملأ صدر عمك شئ قط ، ولا هابه شئ ثم أعطى الراية
لابنه ، وقال : هكذا فاصنع ، فتقدم محمد بالراية ومعه الأنصار حتى انتهى إلى الجمل والهودج
وهزم ما يليه ، فاقتتل الناس ذلك اليوم قتالا شديدا حتى كانت الواقعة والضرب على الركب
هامش
( 1 ) تضعضع الناس : خضعوا وذلوا .
( 2 ) طائفي : نسبة إلى الطائف وهي بلاد ثقيف بالحجاز .