ولن يردها إلا أولئك الذين حكموا فيها ، فاكفياني أنفسكما ، فانصرفا . فقال
مروان : أستعينا عليه بحفصة ، فأتيا حفصة ، فقالت : لو أطاعني أطاع عائشة ،
دعاه ، فاتركاه وتوجها إلى البصرة . وأتاهما عبد الله بن خلف ، فقال لهما : إنه
ليس أحد من أهل الحجاز كان منه في عثمان شئ إلا وقد بلغ أهل العراق ،
وقد كان منكما في عثمان من التحليب والتأليب ما لا يدفعه جحود ، ولا ينفعكما
فيه عذر ، وأحسن الناس فيكما قولا من أزال عنكما القتل وألزمكما الخذل ، وقد
بايع الناس عليا بيعة عامة ، والناس لاقوكما غدا ، فما تقولان ؟ فقال طلحة : ننكر
القتل ، ونقر بالخذل ، ولا ينفع الاقرار بالذنب إلا مع الندم عليه ، ولقد ندمنا
على ما كان منا . وقال الزبير : بايعنا عليا والسيف على أعناقنا ( 1 ) ، حيث تواثب
الناس بالبيعة إليه دون مشورتنا ، ولمن نصب لعثمان خطأ فتجب علينا الدية ، ولا
عمدا فيجب علينا القصاص . فقال عبد الله بن خلف : عذركما أشد من ذنبكما ،
قال : فتهيأ القوم للمسير ، فقال طلحة والزبير : أسرعوا السير ، لعلنا نسبق عليا
من خلاف طريقه إلى البصرة . قال : وكتب قثم بن عباس إلى علي يخبره أن
طلحة والزبير وعائشة قد خرجوا من مكة ، يريدون البصرة ، وقد استنفروا الناس ،
فلم يخف معهم إلا من لا يعتد بمسيره ، ومن خلفت بعدك فعلى ما تحب . فلما
قدم على علي كتابه غمه ذلك ، وأعظمه الناس ، وسقط في أيديهم ، فقام
قيس بن سعد بن عبادة ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنه والله ما غمنا بهذين الرجلين
كغمنا بعائشة ، لأن هذين الرجلين حلالا الدم عندنا ، لبيعتهما ونكثهما ، ولأن
عائشة من علمت مقامها في الإسلام ، ومكانها من رسول الله ، مع فضلها ودينها
وأمومتها منا ومنك ، ولكنهما يقدمان البصرة ، وليس كل أهلها لهما ، وتقدم
الكوفة ، وكل أهلها لك ، وتسير بحقك إلى باطلهم ، ولقد كنا نخاف أن يسيرا
إلى الشام ، فيقال صاحبا رسول الله وأم المؤمنين ، فيشتد البلاء ، وتعظم الفتنة ،
فأما إذا أتيا البصرة وقد سبقت إلى طاعتك ، وسبقوا إلى بيعتك ، وحكم عليهم
هامش
( 1 ) تقدم أن عليا رفض البيعة خفية ولا تكون إلا عن رضى المسلمين ، وأنه بعد اجتماع المهاجرين
والأنصار - وفيهم طلحة والزبير - رفض في البداية وقال : لا حاجة لي في أمركم ، أنا معكم فمن
اخترتم فقد رضيت به . ثم أن طلحة والزبير بايعاه على ملأ من الناس بعد أن قال لهما علي : إن
أحببتما أن تبايعا لي وإن أحببتما بايعتكما ، فقالا : بل نبايعك ( الطبري 5 / 152 - 153 من عدة
طرق ) .