دار ، تسفكون دماءكم ، وتقتلون أولادكم ، وتقطعون أرحامكم ، وتأكلون أموالكم
بينكم بالباطل ، فمن الله عليكم ، فبعث محمدا إليكم بلسانكم ، فكنتم أنتم
المؤمنين ، وكان الرسول فيكم ومنكم ، تعرفون وجهه ونسبه ، فعلمكم الكتاب
والحكمة والسنة والفرائض ، وأمركم بصلة الأرحام ، وحقن الدماء ، وإصلاح
ذات بينكم ، وأن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ، وأن توفوا بالعقود ، وأن تعاطفوا
وتباروا وتراحموا ، نهاكم عن التظالم والتحاسد والتقاذف والتباغي ، وعن شرب
الحرام ، وعن بخس المكيال والميزان ، وتقدم إليكم فيما أنزل عليكم أن لا تزنوا
ولا تأكلوا أموال اليتامى ظلما ، فكل خير يبعدكم عن النار قد حضكم عليه ، وكل
شر يبعدكم عن الجنة قد نهاكم عنه ، فلما استكمل رسول الله صلى الله عليه
وسلم مدته من الدنيا توفاه الله وهو مشكور سعيه مرضي عمله ، مغفور له
ذنبه ، شريف عند الله نزله ، فيا لموته مصيبة خصت الأقربين ، وعمت المؤمنين ،
فلما مضى تنازع المسلمون الأمر بعده ، فوالله ما كان يلقى في روعي ( 1 ) ، ولا
يخطر على بالي أن العرب تعدل هذا الأمر عني ، فما راعني إلا إقبال الناس
على أبي بكر ، وإجفالهم عليه ، فأمسكت يدي ، ورأيت أني أحق بمقام محمد
في الناس ممن تولى الأمور علي ، فلبثت بذلك ما شاء الله ، حتى رأيت راجعة
من الناس رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محو دين محمد . وملة إبراهيم
عليهما السلام . فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله . إن أرى في الإسلام ثلما ( 2 )
وهدما . تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولاية أمركم . التي إنما هي متاع
أيام قلائل . ثم يزول ما كان منها ، كما يزول السراب ، فمشيت عند ذلك إلى
أبي بكر فبايعته ، ونهضت معه في تلك الأحداث ، حتى زهق الباطل ، وكانت
كلمة الله هي العليا ، وأن يرغم الكافرون ، فتولى أبو بكر رضي الله عنه تلك
الأمور فيسر ، وسدد ، وقارب ، واقتصد ، فصحبته مناصحا ، وأطعته فيما أطاع الله
فيه جاهدا ، فلما احتضر بعث إلى عمر ، فولاه ، فسمعنا وأطعنا ، وبايعنا
وناصحنا ، فتولى تلك الأمور ، فكان مرضي السيرة ، ميمون النقيبة أيام حياته ،
فلما احتضر قلت في نفسي : ليس يصرف هذا الأمر عني . فجعلها عمر شورى
وجعلني سادس ستة ، فما كانوا لولاية أحد منهم بأكره منهم لولايتي ، لأنهم كانوا
هامش
( 1 ) روعي : بالضم القلب أو موضع الروع منه ، وبفتح الراء : الفزع .
( 2 ) ثلما أي خرقا .