فلما انتهى كتاب الأحنف إلى بني سعد ، ساروا بجماعتهم ، حتى نزلوا
الكوفة .
كتاب أهل العراق إلى مصقلة ( 1 )
قال : وذكروا أنه قام إلى علي بعد انصرافه من البصرة إلى الكوفة ، وجوه
بكر بن وائل ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، إن نعيما أخا مصقلة يستحي منك ، لما
صنع مصقلة ، وقد أتانا اليقين أنه لا يمنع مصقلة من الرجوع إليك إلا الحياء ،
ولم يبسط منذ فارقنا لسانه ولا يده ، فلو كتبنا إليه كتابا ، وبعثنا من قبلنا رسولا ،
فإنا نستحيي أن يكون فارقنا مثل مصقلة من أهل العراق إلى معاوية ، فقال علي :
اكتبوا . فكتبوا ( 2 ) : أما بعد ، فقد علمنا أنك لم تلحق بمعاوية رضا بدينه ، ولا
رغبة في دنياه ، ولم يعطفك عن علي طعن فيه ، ولا رغبة عنه ، ولكن توسطت
أمرا فقويت فيه الظن ، وأضعفت فيه الرجاء ، فكان أولاهما عندك أن قلت : أفوز
بالمال ، وألحق بمعاوية . ولعمرنا ما استبدلت الشام بالعراق ، ولا السكاسك ( 3 )
بربيعة ، ولا معاوية بعلي ، ولا أصبت ( 4 ) دنيا تهنأ بها ، ولا حظا تحسد عليه ، وإن
أقرب ما تكون مع الله ، أبعد ما تكون مع معاوية ، فارجع إلى مصرك ، فقد اغتفر
أمير المؤمنين الذنب ، واحتمل الثقل ، واعلم أن رجعتك اليوم خير منها غدا ،
وكانت أمس خيرا منها اليوم ، وإن كان عليك حياء من أبي الحسن ، فما أنت فيه
أعظم فقبح الله أمرا ليس فيه دنيا ولا آخرة . فلما انتهى كتابهم إلى مصقلة ،
وكان لرسولهم عقل ولسان ، قال الرسول : يا مصقلة ، انظر فيما خرجت منه ،
وفيما صرت إليه ، وانظر من أخذت ، ومن تركت ، وانظر من جاورت ، ومن
هامش
( 1 ) هو مصقلة بن هبيرة الشيباني . أنظر قصة هربه في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 65 -
66 .
وملخصها أن مصقلة بن هبيرة الشيباني كان عاملا لعلي بن أبي طالب على بلد من بلاد الأهواز ،
وقد أتى معقل بن قيس بأسارى فاشتراهم مصقلة ب 500 ألف درهم وأعتقهم ثم هرب ليلا إلى
البصرة دون دفع المال . فأرسل معقل إلى ابن عباس فطالبه بالمال فهرب ليلا إلى علي بن أبي
طالب بالكوفة . ولما طالبه بالمال دفع له 100 ألف وبقي عليه 400 ألف درهم فهرب ليلا إلى
معاوية . ( أنظر فتوح ابن الأعثم 2 / 78 ) .
( 2 ) في ابن الأعثم أنهم فوضوا الحضين بن المنذر السدوسي .
( 3 ) السكاسك : حي من اليمن .
( 4 ) في ابن الأعثم : أصبت ذنبا بهما .