* الأصل :
189 - عدَّةٌ من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن عليِّ بن الحكم ، عن أبي المغرا عن
زيد الشحّام ، عن عمرو بن سعيد بن هلال قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) إنّي لا أكاد ألقاك إلاّ في
السنين فأوصني بشيء آخذ به ، قال : اُوصيك بتقوى الله وصدق الحديث والورع والاجتهاد
واعلم أنّه لا ينفع اجتهاد لا ورع معه ، وإيّاك أن تطمح نفسك إلى من فوقك ، وكفى بما قال الله عزَّ
وجلَّ لرسوله ( صلى الله عليه وآله ) : « فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم » وقال الله عزَّ وجلَّ لرسوله : « ولا تمدنَّ
عينيك إلى ما متّعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدُّنيا » فإن خفت شيئاً من ذلك فاذكر عيش
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فإنّما كان قوته الشعير وحلواه التمر ووقوده السعف إذا وجده وإذا اُصبت بمصيبة
فاذكر مصابك برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فانَّ الخلق لم يصابوا بمثله ( صلى الله عليه وآله ) قطُّ .
* الشرح :
قوله : ( اُوصيك بتقوى الله وصدق الحديث والورع والاجتهاد ) أوصاه بأربع خصال مشتملة على
جميع ما هو مطلوب من الإنسان : الأولى : التقوى : وهي ملكة تورث الخوف من الله تعالى
والاجتناب عن المحارم والإتيان بوظائف الطاعات كما أشار إليه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بقوله « عباده
الله إن تقوى الله حمت أولياء الله محارمه وألزمت قلوبهم مخافته حتى أسهرت لياليهم وأظمأت
هواجرهم ، الحديث » الثانية : صدق الحديث النافع في الدنيا والآخرة ، وهو من توابع العدل
المتوقف على استقامة القوى العقلية والغضبية والشهوية ، إذ لو فسدت أحداهما وقع الكذب في
اللسان كثيراً ، الثالثة : الورع وهو ملكة التحرز عن المشتهيات ولذات الدنيا وإن كانت مباحة ،
الرابعة : الاجتهاد في العلم والعمل ( وأعلم أنه لا ينفع اجتهاد لا ورع معه ) لأن الخير المختلط بشر
شران ساويا أو زاد الشر ومشوب مختلط إن زاد الخير ، والله سبحانه لا يتقبل إلاّ الخالص ، ولأن
الاجتهاد ميل إلى الآخرة وترك الورع ميل إلى الدنيا فيذهب هذا بذاك ، ومن ثم قيل الميل إلى
الدنيا والآخرة لا يجتمعان . ( وإياك أن تطمح نفسك إلى من فوقك ) ، طمح بصره إليه من باب منع :
امتدّ وارتفع وأشرف ، وأصله قولهم : جبل طامح : أي طائل مشرف وفيه تحذير للانسان من أن ينظر
إلى من فوقه ويتمنى ما عنده من نعمه ومتاع الدنيا ويطلب اللحاق به ، لأنه ربما يقع في الحرام
ولا يبالي ويشقى بذلك وربما لا يتيسر له اللحاق فيموت غماً أو حسداً ، وهو على التقديرين يبعد
من الدين ويصير من الهالكين وإذا نطر إلى من هو دونه عرف قدر نعمه الله عليه والتزم شكر المنعم
وطاعته ، هذا حال الناظر إلى متاع الدنيا وأما الناظر إلى الطاعة والعلم والزهد ينبغي أن يكون الأمر
بالعكس ( وكفى بما قال الله عز وجل لرسوله ( صلى الله عليه وآله ) ( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ) كفى هذا
القول الكريم زجراً عن الطموح
شرح أصول الكافي — صفحة 199
مساهمون: محمد صالح المازندراني
ص١٩٩