تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
الدُّنيا ؟ وما عسى أن تكون الدُّنيا هل هي إلاّ طعامٌ أكلته أو ثوبٌ لبسته أو امرأة أصبتها ؟ ! يا جابر إنَّ المؤمنين لم يطمئنّوا إلى الدُّنيا ببقائهم فيها ، ولم يأمنوا قدومهم الآخرة ، يا جابر الآخرة دار قرار والدُّنيا دار فناء وزوال ولكن أهل الدّنيا أهل غفلة وكأنَّ المؤمنين هم الفقهاء أهل فكرة وعبرة ، لم يُصمّهم عن ذكر الله جلّ اسمه ما سمعوا بآذانهم ولم يُعمهم عن ذكر الله ما رأوا من الزِّينة بأعينهم ففازوا بثواب الآخرة ، كما فازا بذلك العلم ، واعلم يا جابر أنَّ أهل التقوى أيسر أهل الدّنيا مؤونة وأكثرهم لك معونة ، تذكر فيعينونك وإن نسيت ذكّروك ، قوَّالون بأمر الله قوّامون على أمر الله ، قطعوا محبتّهم بمحبّة ربّهم ووحشوا الدُّنيا لطاعة مليكهم ونظرا إلى الله عزَّ وجلَّ وإلى محبّته بقلوبهم وعملوا أنَّ ذلك هو المنظور إليه ، لعظيم شأنه . فأنزل الدُّنيا كمنزل نزلته ثمَّ إرتحلت عنه ، أو كمال وجدته في منّا منك فأستيقظت وليس معك منه شيء ، إنّي [ إنّما ] ضربت لك هذا مثلا ، لأنَّها عند أهل اللّبّ والعلم بالله كفيء الظلال ، يا جابر ! فأحفظ ما إسترعاك الله عزَّ وجلَّ من دينه وحكمته ولا تسألنَّ عمّا لك عنده إلاّ ما له عند نفسك ، فإن تكن الدُّنيا على غير ما وصفت لك فتحوَّل إلى دار المستعتب ، فلمعري لربَّ حريص على أمر قد شقى به حين أتاه ولرُبَّ كاره لأمر قد سعد به حين أتاه ، وذلك قول الله عزَّ وجلَّ : ( وليمحّص الله الّذين آمنوا ويمحق الكافرين ) » . * الشرح قوله : ( أنّه من دخل قبله صافي خالص دين الله شعل قلبه عما سواه ) لعل المراد بالخالص الإيمان الحقيقي واليقين بالله وإضافة والصافي إليه أمّا بيانية أو لامية بأن يراد بالصافي التقرب منه تعالى وحب لقائه ولقاء الآخرة ، هذا وجه لشغل قلبه الشريف عما سواه ، وأما وجه حزنه فلعله أن الإنسان وان طي مقامات السير ووصل إلى الحق وقرب منه لكنه ما دام في هذه الدار لا يخلو من بعد في الجملة ، وإنما يحصل القرب التام والوصول الكامل بعد المفارقة منها فالعارف في هذا الدار دائماً في شغل عما ذكر وحزن لفقد هذا الكمال الذي لا يتأتي إلاّ بالموت ولذلك قال علي ( عليه السلام ) حين ضرب : « فزت برب الكعبة » ثم أشار إلى ذم الدنيا وترك محبتها على وجه يشعر بتحقيرها بقوله : ( يا جابر ما الدنيا وما عسى أن تكون الدنيا هي إلاّ طعام اكلته ، أو ثوب لبسته ، أو امرأة أصبتها ) للتنبيه على أن جل منافع الدنيا هذه الاُمور هي منصرمة منقضية لا بقاء لها . والعاقل لا يجب ولا يركن إلى ما هو في معرض الفناءِ والزوال سريعاً ، ثم أشار إلى أن المؤمنين السابقين لم يركنوا إلى الدنيا ولم يطمئنوا ببقائهم فيها خوفاً من أمر الآخرة وقدومهم إليها بقوله ( يا جابر إن المؤمنين لم يطمئنوا ببقائهم فيها ولم يأمنوا قدومهم الآخرة ) بل تركوا الدنيا وخافوا