لكلامك أولاً ( فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) ) توضيحاً للمقصود وتنبيهاً بضعف عقله وسوء تفكره في
وصف الباري ( إنما وصفت ) بقولك هو إذا كان في مكان لا يكون في مكان آخر
( المخلوق الذي إذا انتقل عن مكان ) كان مستقراً فيه بالحواية ( اشتغل به مكان ) آخر انتقل إليه
( وخلا منه مكان ) انتقل منه ( فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما يحدث في المكان الذي كان
فيه ) لبعده عنه وقصور علمه بالوقايع والحوادث إلا بالحواس ، والحواس لا تدرك إلاّ ما يحضرها
( فأما الله العظيم الشأن ) الشأن الأمر والحال ، والمراد به هنا أوصافه الكاملة ( الملك الديان ) الملك
أصناف الموجودات كلها والملك من أسمائه تعالى لأنه مالكها والدين الجزاء والديان من أسمائه
تعالى لأنه يدين العباد أي يجزيهم بأعمالهم ( فلا يخلو منه مكان ) ( 1 ) لأنه لا يخلو مكان من علمه
لتعلقه بجميع الأشياء وعلمه عين ذاته فلا يخلو منه تعالى مكان ( ولا يشتغل به مكان ) كإشغاله
بالجسم المالئ له لاستحالة الجسمية عنه ولأنه قبل حدوث المكان كان بلا مكان فهو أبداً كذلك لا
متناع تغيره . وأيضاً : عظمة شأنه على الإطلاق وافتقار جميع ما سواه إليه ينافي افتقاره إلى المكان
( ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان ) أي لا يكون هو بالقياس إلى مكان أقرب منه بالقياس إلى
مكان آخر ، والمقصود أن قربه من جميع الأمكنة سواء ، إذ قربه بعلمه الذي لا يغيب عنه شيء فهو
بعلمه قريب من الأمكنة كلها قرباً متساوياً لامتناع تحقق الاختلاف والزيادة والنقصان والشدة
والضعف في علمه .
* الأصل :
4 - علي بن محمد ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن عيسى قال : كتبت إلى أبي الحسن علي بن
محمد ( عليه السلام ) : جعلني الله فداك يا سيدي ! قد روي لنا : أن الله في موضع دون موضع على العرش
استوى وأنه ينزل كل ليلة في النصف الأخير من الليل إلى السماء الدنيا ، وروي أنه ينزل عشية عرفة
ثم يرجع إلى موضعه ، فقال بعض مواليك في ذلك : إذا كان في موضع دون موضع فقد يلاقيه الهواء
ويتكنف عليه والهواء جسم رقيق يتكنف على كل شيء بقدره ، فكيف يتكنف عليه جل ثناؤه على
هذا المثال ؟ فوقّع ( عليه السلام ) : علم ذلك عنده وهو المقدر له بما هو أحسن تقديراً ، واعلم أنه إذا كان في
السماء الدنيا فهو كما هو على العرش ، والأشياء كلها له سواء علماً وقدرة وملكاً وإحاطة .
هامش
1 - قوله : « فلا يخلو منه مكان » بيّن الإمام ( عليه السلام ) معنى الموجود المجرد بذكر صفات : الأولى أنه لا يخلو منه مكان ،
وهذا الكلام موهم حلوله في كل مكان دفع الوهم بقوله « لا يشتغل به مكان » وهي صفة ثانية وهو كالنفس
الناطقة الإنسانية في بدنه لا يخلو منه موضع من البدن ولا يشتغل به مكان من البدن . والصفة الثالثة للمجرد أنه
ليس أقرب إلى مكان منه إلى آخر . ( ش )