المفهوم
( وقد جمعنا الاسم واختلف المعنى ) لما عرفت أن خبره تعالى في مرتبة الذات بل هو نفس
الذات بلا استخبار ولا تعلم ولا جهل سابق ، وخبرنا بعد مرتبة ذواتنا وبعد هذه الأمور فافترقا وتباينا
ولا يبعد أن يكون الخبير أخص من العالم ، أما في الواجب فلأنه عبارة عن العالم بدقائق الأشياء
وحقائقها والعالم فيه أعم منه ، وأما في غيره فلأنه عبارة عن العالم من جهة التجربة والاعتبار ومن
جانب التعلم والاستخبار على أن يكون هذه الأمور معتبرة في مفهومه ، والعالم في غيره أعم منه
لعدم اعتبار هذه الأمور في مفهومه وإن كان لا يخلو عنها .
( وأما الظاهر ) اعلم أن للظاهر ستة معان على ما يستفاد من سياق الحديث بعضها مختص
بالخالق وبعضها مختص بالخلق ، ومن هاهنا يظهر أن الاشتراك ليس إلاّ بحسب الاسم :
الأول : العالي المرتفع بمعنى الراكب فوق شيء ، وهو من قولهم : ظهر فلان السطح ، إذا علاه ،
وحقيقته صار على ظهره ، كما صرح به في المغرب .
الثاني : البارز بنفسه المعلوم بحده وهو من قولهم : ظهر فلان إذا خرج وبرز ، وهذان المعنيان
مختصان بالخلق لاستحالة اتصاف الخالق بهما .
الثالث : الغالب على جميع الأشياء بالقهر والقدرة عليها من قولهم : ظهر فلان على عدوه إذا غلبه .
الرابع : البيّن وجوده بآثاره لكل أحد من قولهم : ظهر هذا الشيء إذا تبين وجوده بآثاره .
الخامس : العالم بجميع الأشياء بحيث لا يخفى عليه شيء منها .
السادس : المدبر لجميع الأشياء أو لكل ما يرى منها ، وكأنّ هذين المعنيين مأخوذات من المعنى
الثالث لاعتبار الغلبة فيهما بالعلم والتدبير وهذه الأربعة مختصة به سبحانه ، وإلى هذا التفصيل
أشار بقوله : ( فليس من أجل أنه علا الأشياء بركوب فوقها وقعود عليها وتسنم لذراها ) سنام كل
شيء أعلاه ، ومنه : تسنمه إذا علاه ، وأسنم الدخان إذا ارتفع ، والذرى بضم الذال المعجمة وكسرها
جمع الذروة كذلك وهي أعلى الشيء وفوقه .
( ولكن ذلك ) أي كونه ظاهراً أو علوه على الأشياء ( لقهره ولغلبته الأشياء وقدرته عليها ) فمعنى
الظاهر أنه العالي على جميع الأشياء بمعنى أنه قاهر غالب قادر عليها ، فلا يعجزه ولا يفوته شيء ولا
يغلبه ولا يسبقه أحد ( كقول الرجل : ظهرت على أعدائي ) أي غلبت عليهم ( وأظهرني الله على
خصمي ) أي غلبني عليه تغليباً ( يخبر عن الفلج والغلبة ) الفلج بالفتح الظفر ، وقد فلج الرجل على
خصمه إذا غلب ، وأفلجه الله عليه إذا جعله غالباً والاسم الفلج بالضم ( فهكذا ظهور الله على الأشياء )
فظهوره ليس ظهوراً مكانياً حسياً بل هو قهره وغلبته جميع الأشياء واستيلاؤه عليها بالإيجاد والإبقاء
شرح أصول الكافي — صفحة 56
مساهمون: محمد صالح المازندراني
ص٥٦