باب النوادر
* الأصل :
محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن النعمان ، عن سيف بن عميرة عمن
ذكره ، عن الحارث بن المغيرة النصري قال : سئل أبو عبد الله ( عليه السلام ) عن قول الله تبارك وتعالى : « كل
شيء هالك إلا وجهه » فقال : ما يقولون فيه ؟
قلت : يقولون يهلك كل شيء إلاّ وجه الله ، فقال : سبحان الله لقد قالوا قولاً عظيماً : إنما عنى بذلك
وجه الله الذي يؤتى منه .
* الشرح :
( محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي النعمان ، عن سيف بن عميرة : عمن
ذكره ، عن الحارث بن المغيرة النصري قال : سئل أبو عبد الله ( عليه السلام ) عن قول الله تبارك وتعالى ( كل
شيء هالك إلاّ وجهه ) فقال : ما يقولون فيه ؟ ) الغرض من هذا السؤال تخطئتهم وتنزيهه تعالى عما
يقولون وتطهير قلب المخاطب عن ذلك ليستعد لقبول الحق ; لأن التخلية مقدم على التحلية
( قلت : يقولون : يهلك كل شيء إلاّ وجه الله ) أرادوا به الوجه المعروف فلذلك نزهه ( عليه السلام ) عن ذلك
( فقال : سبحان الله لقد قالوا قولاً عظيماً ) حيث شبهوه بخلقه وجعلوه ذا وجه معروف ( إنما عنى
بذلك وجه الله الذي يؤتى منه ) أي يؤتى الله من ذلك الوجه وهو الرسول وأوصياؤه ( عليهم السلام ) لأنهم
طرق إلهية وأنوار ربوبية ( 1 )
هامش
1 - قوله : « لأنهم طرق الهية وأنوار ربوبية » تفسير ألفاظ القرآن والحديث قد يكون مفهومياً وهو الأقل وقد يكون
مصداقياً بعد أن يكون المفهوم معلوماً وهو الأكثر ، ولذلك قد يختلف التفاسير وجميعها صحيح لأنها جميعاً
مصداق مثل قوله تعالى : ( الذين يؤمنون بالغيب ) فمن فسره بالله تعالى أو بالملائكة أو بالوحي أو بالقيامة أو
بغيبة صاحب الأمر أو غير ذلك جميعها صحيح ومن عمم فهو مصيب أيضاً . والوجه هنا استعارة وأصله وجه
الإنسان وهو الجانب الذي يقبل به على غيره ويراهم ويطلع عليهم ويقبل غيره عليه ويعرفونه ويتكلمون معه ،
وجل الخالق عن الجانب لكن يطلع على الناس ويراهم ويعلم أسرارهم ويقضي حوائجهم ويسمع دعاءهم ،
ويقبل الناس عليه ويعرفونه في الجملة ويطلبون منه ويستفيضون منه وجودهم وكمالهم وسعادتهم ، فاستعير
الوجه لهذا المعنى ، ولما كان الأئمة ( عليهم السلام ) وسيلة لهم إلى ما ذكر في معنى الوجه صح إطلاق الوجه عليهم وتفسير
الوجه بهم تفسير مصداقي بأظهر وأكمل وأولى ما يصدق عليه وجه الله تعالى ، قال صدر المتألهين ( قدس سره ) :
فهؤلاء ساروا إلى الله وأعرضوا عما سوى الله ثم وقفوا مع الله فهم أجسام روحانيون وفي الأرض سماويون ومع
الخلق ربانيون ، أجساد أرضيه بقلوب سماوية وأشباح فرشية بأرواح عرشية نفوسهم في منازل سيارة وأرواحهم
في فضاء القرب طيارة وأسرارهم إلى ربهم نظارة كائنين بالجثمان بائنين بقلوبهم عن مواطن الحدثان ، ودايع الله
بين خليقته وصفوته في بريته وصايا لنبيه خبايا عند صفيه لم يزل يدعو الأول الثاني ويخلف السابق اللاحق ، لا
يزال منهم قائمون بالحق داعون الخلق ، منحوا رتبة الدعوة وجعلوا للمتقين إماماً وقدوة ، من اقتدى بهم اهتدى ،
ومن جحدهم ضل وغوى وتردى في غيابة جب الهوى . ( ش )