قال أبو إسحاق : فقلت للحارث : أو ما حفظتها قال : قد كتبتها فأملاها علينا من كتابه : الحمد لله الذي
لا يموت ولا تنقضي عجائبه ، لأنه كل يوم في شأن من إحداث بديع لم يكن ، الذي لم يلد فيكون
في العز مشاركاً ولم يولد فيكون موروثاً هالكاً ، ولم تقع عليه الأوهام فتقدره شبحاً ماثلاً ولم
تدركه الأبصار فيكون بعد انتقالها حائلاً ، الذي ليست في أوليته نهاية ، ولا لآخريته حد ولا غاية ،
الذي لم يسبقه وقت ولم يتقدمه زمان ، ولا يتعاوره زيادة ولا نقصان ولا يوصف بأين ولا بم ولا
مكان ، الذي بطن من خفيات الأمور وظهر في العقول بما يرى في خلقه من علامات التدبير ،
الذي سئلت الأنبياء عنه فلم تصفه بحد ولا ببعض بل وصفته بفعاله ودلت عليه بآياته ، لا تستطيع
عقول المتفكرين جحده ، لأن من كانت السماوات والأرض فطرته وما فيهن وما بينهن وهو
الصانع لهن فلا مدفع لقدرته ، الذي نأى من الخلق فلا شيء كمثله ، الذي خلق خلقه لعبادته
وأقدرهم على طاعته بما جعل فيهم ، وقطع عذرهم بالحجج ، فعن بينة هلك من هلك وبمنّه نجا
من نجا ، ولله الفضل مبدئاً ومعيداً ، ثم إن الله - له الحمد - افتتح الحمد لنفسه وختم أمر الدنيا
ومحل الآخرة بالحمد لنفسه ، فقال : وقضي بينهم بالحق ، وقيل : الحمد لله رب العالمين .
الحمد لله اللابس الكبرياء بلا تجسيد والمرتدي بالجلال بلا تمثيل ، والمستوي على العرش
بغير زوال ، والمتعالي على الخلق بلا تباعد منهم ولا ملامسة منه لهم ، ليس له حد ينتهى إلى
حده ، ولا له مثل فيعرف بمثله ، ذل من تجبر غيره ، وصغر من تكبر دونه ، وتواضعت الأشياء
لعظمته ، وانقادت لسلطانه وعزته ، وكلّت عن إدراكه طروف العيون ، وقصرت دون بلوغ صفته
أوهام الخلائق . الأول قبل كل شيء ولا قبل له ، والآخر بعد كل شيء ولا بعد له ، الظاهر على كل
شيء بالقهر له ، والمشاهد لجميع الأماكن بلا انتقال إليها ، لا تلمسه لامسة ولا تحسه حاسة ، هو
الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم ، أتقن ما أراد من خلقه من الأشباح كلها لا
بمثال سبق إليه ولا لغوب دخل عليه في خلق ما خلق لديه ، ابتدأ ما أراد ابتداءه وأنشأ ما أراد
إنشاءه ، على ما أراد من الثقلين الجن والإنس ، ليعرفوا بذلك ربوبيته وتمكن فيهم طاعته .
نحمده بجميع محامده كلها ، على جميع نعمائه كلها ونستهديه لمراشد أمورنا ونعوذ به من
سيئات أعمالنا ونستغفره للذنوب التي سبقت منا ونشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً عبده
ورسوله ، بعثه بالحق نبياً دالاًّ عليه وهادياً إليه ، فهدى به من الضلالة واستنقذنا به من الجهالة ، من
يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً ونال ثواباً جزيلاً ومن يعص الله ورسوله فقد خسر خسراناً
مبيناً ، واستحق عذابا أليماً ، فابخعوا بما يحق عليكم من السمع والطاعة وإخلاص النصيحة
وحسن المؤازرة وأعينوا على أنفسكم بلزوم الطريقة المستقيمة وهجر الأمور المكروهة ،
شرح أصول الكافي — صفحة 199
مساهمون: محمد صالح المازندراني
ص١٩٩