الوجود أو أعدامها ; لأن فيه صرفاً لها من الوجود إلى العدم ، ولفظة قيل ظرف لقوله « لم يزل ولا
يزال » أي لم يزل قبل بدء الدهور ، ولا يزال بعد صروف الأمور أو لقوله « وحدانياً » أي هو واحد لا
يشاركه أحد في ذاته ووجوده وصفاته وأفعاله وتدبيره قبل بدء الدهور وبعد صروف الأمور ، ولما
أشار بهذا إلى أنه باق أبداً أشار إلى سلب ما ينافي بقاءه للتأكيد والتقرير بقوله :
( الذي لا يبيد ولا ينفد ) أي لا يهلك ولا ينفد وجوده ; لأن الهلاك والنفاد من صفات الممكن الذي
هو في مرتبة ذاته باعتبار اتصافه بوصف الإمكان موصوف بالعدم والبطلان ، والحق الثابت بالذات
بريء عن الاتصاف بأمثال هذه الصفات .
( بذلك أصف ربي ) أي بما ذكرته من الثناء والتوحيد والتنزيه أصف ربي لا بما ذكره الواصفون
المشبهون له بخلقة . ولما ظهر مما ذكر أنه المستحق للصفات الإلهية والمستجمع لها بحيث لا
يوجد شيء منها في غيره أشار إلى التصريح بتفرده بها وتوحده بمقتضاها بقوله : ( فلا إله إله الله )
ثم وصفه بالعظمة والجلال ، والغلبة على الإطلاق على سبيل التعجب بقوله : ( من عظيم ما أعظمه ،
ومن جليل ما أجله ، ومن عزيز ما أعزه ) للتنبيه على أن أحداً لا يقدر على معرفة حقيقة هذه
الصفات وجلالة قدرها ، ولإشعار بأنه وجب الانقياد له والإيمان به والطاعة له ، ولفظة « من » بيان
وتفسير لقوله « الله » وترجمة عنه .
( وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً ) تنزيه لجناب الحق عما ينشب إليه المبتدعة من التشبه
والتجسم والتصور بصورة وغير ذلك من الأقاويل الكاذبة وهؤلاء متشاركون في إنكار الصانع مثل
الملاحدة وإن لم يصرحوا بإنكاره ; لأن الثابت بزعمهم ليس بصانع ، والصانع الحق ليس بثابت
عندهم .
* الأصل :
وهذه الخطبة من مشهورات خطبه ( عليه السلام ) حتى لقد ابتذلها العامة وهي كافية لمن طلب علم التوحيد
إذا تدبرها وفهم ما فهم ، فلو اجتمع ألسنة الجن والإنس ليس فيها لسان نبي على أن يبينوا التوحيد
بمثل ما أتى به - بأبي وأمي - ما قدروا عليه ، ولولا إبانته ( عليه السلام ) ما علم الناس كيف يسلكون سبيل
التوحيد . ألا ترون إلى قوله : « لا من شيء كان ولا من شيء خلق ما كان » فنفى بقوله : « لا من شيء
كان » معنى الحدوث وكيف أوقع على ما أحدثه صفة الخلق والاختراع بلا أصل ولا مثال ، نفياً لقول
من قال : إن الأشياء كلها محدثة بعضها من بعض وإبطالاً لقول الثنوية الذين زعموا أنه لا يحدث شيئاً
إلاّ من أصل ولا يدبر إلاّ باحتذاء مثال ، فدفع ( عليه السلام ) بقوله : « لا من شيء خلق ما كان » جميع حجج
الثنوية وشبههم ، ; لأن أكثر ما يعتمد الثنوية في حدوث العالم أن يقولوا : لا يخلو من أن يكون الخالق
شرح أصول الكافي — صفحة 149
مساهمون: محمد صالح المازندراني
ص١٤٩