الإقرارين للتنبيه على أن بينهما تلازماً وأن أحدهما لا ينفع بدون الآخر ( فقالوا : نعم ربنا أقررنا )
الظاهر أنهم قالوا ذلك بلسان المقال لا بمجرد لسان الحال أجمعين ، فيفيد عموم الإقرار ووجوده
في جميع الخلق ، وهذا ينافي ما يجيء في باب طينة المؤمن والكافر عن أبي جعفر ( عليه السلام ) « أن الله
تعالى دعاهم عند أخذ الميثاق إلى الإقرار بالنبيين ، فأقر بعضهم وأنكر بعضهم ثم دعاهم إلى
ولايتنا فأقر بها لله من أحب وأنكرها من أبغض » وقوله : ( وما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل )
ثم قال أبو جعفر ( عليه السلام ) « كان التكذيب ثم » ويمكن رفع المنافاة بحمل الإقرار هنا على التخصيص كما
يقتضيه القاعدة الأصولية .
( فقال الله للملائكة اشهدوا ) على إقرارهم ، والإشهاد إنما هو لإجراء الأمور الأخروية على ما
يقتضيه الحكمة الإلهية في الأمور الدنيوية من إثبات الحق بالشاهد وإلا فالله سبحانه كان شاهداً
وكفى به شهيداً ، وإنما أشهد الملائكة دون النبي والأئمة ( عليهم السلام ) لأن الحق كان لهم فلا بد لهم الشاهد
من غيرهم .
( فقالت الملائكة شهدنا على أن لا يقولوا غداً ) أي يوم القيامة عند مشاهدة سوء العاقبة ووخامة
الإنكار ( إنا كنا عن هذا غافلين ) لم نسمعه ولم ينبهنا به أحد ( أو يقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل
وكنا ذرية من بعدهم ) فأتبعنا آثارهم واقتفينا أطوارهم ، وفي بعض النسخ : « وكنا ذرية ضعفاء من
بعدهم » ( أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) أي بما فعل آباؤنا وأسس كبراؤنا من قوانين الشرك
والضلال وأتبعناهم تقليداً للظن بأنهم كانوا على الحق وفيه قطع لعذرهم وذم لتقليدهم فإنه - تعالى
شأنه - إذا أخذ الميثاق منهم أولاً وأعطاهم العقل الفارق بين الحق والباطل ثانياً ، وأرسل إليهم
الرسول ثالثاً ، ونصب لهم دلائل التوحيد رابعاً ، وذكرهم بالميثاق خامساً لم يبق لهم معذرة في
الشرك تقليداً للآباء والكبراء ولا حجة في ترك التمسك بذيل الهداة والأمناء ( يا داود ولايتنا مؤكدة
عليهم في الميثاق ) حين بعثهم في الظلال وأخرجهم على هيئة الصور والمثال ثم نسيها من نسيها
لتوغله في ظلمة الطبائع البشرية ، أو أنكرها من أنكرها لميله إلى الرياسة الظاهرة الفانية فأنكر العهد
المأخوذ عليهم باطناً والنص النبوي المؤكد له ظاهراً .
شرح أصول الكافي — صفحة 118
مساهمون: محمد صالح المازندراني
ص١١٨