عن أبي جعفر ( عليه السلام ) أنّه قال في صفة القديم : إنّه واحدٌ صمد أحديّ المعنى ، ليس بمعاني كثيرة
مختلفة ، قال : قلت : جعلت فداك يزعم قومٌ من أهل العراق أنّه يسمع بغير الذي يبصر ويبصر بغير
الذي يسمع قال : فقال : كذبوا وألحدوا وشبهّوا تعالى الله عن ذلك ، إنّه سميعٌ بصيرٌ يسمع بما
يبصر ويبصر بما يسمع ، قال : قلت : يزعمون أنّه بصير على ما يعقلونه ، قال فقال : تعالى الله إنّما
يُعقل ما كان بصفة المخلوق وليس الله كذلك .
* الشرح :
( عليّ بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى بن عبيد ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن محمّد بن مسلم ،
عن أبي جعفر ( عليه السلام ) أنّه قال في صفة القديم أنّه واحد ) متنزَّه عن التركيب الخارجي والذِّهني والتعدُّد
وما يتبعها من الجسميّة والتحيّز وغيرهما ( صمد ) مرجع لجميع الكائنات لكون وجوده وكماله
نفس ذاته ووجوداتها وكمالاتها مستندة إليه .
( أحديُّ المعنى ) قد يراد به أنِّه لا يشاركه شيءٌ في وجوده ووجوبه وربوبيّته وغيرها من
الصّفات الذاتيّة والفعليّة وقد يراد به أنّه ليس له صفات زايدة على ذاته فعلى الأول قوله ( ليس
بمعاني كثيرة مختلفة ) تأسيس ، وعلى الثاني تفسير وتأكيد يعني ليس هو موصوفاً بصفات متعدِّدة
مختلفة زايدة عليه لتنزُّهه عن الاتّصاف بالصفات والاحتياج إليها ، ولحوق النقص به في مرتبة
ذاته ، ومشاركة الغير معه في القدم والوجود الأزلي ، ولمّا علم محمّد بن مسلم أنّه لا يتّصف
بالمعاني المختلفة استعلم عن قول من أثبتها له فلذلك :
( قال : قلت : جعلت فداك يزعم قوم من أهل العراق أنّه يسمع بغير الّذي يبصر ، ويبصر بغير
الّذي يسمع ) يعني يزعمون أنَّ له معنيين مختلفين ووصفين متغايرين يسمع بأحدهما ويبصر
بالآخر فهو عندهم موصوف بمعاني مختلفة وهذا الكلام يحتمل وجهين أحدهما أنّهم يزعمون
أنّه يسمع بالأذن ويبصر بالعين كالإنسان ، وثانيهما أنّهم يزعمون أنَّ سمعه وبصره إدراكان قائمان به
من غير آلة ( قال : فقال كذبوا ) على الله « ويوم القيمة ترى الّذين كذبوا على الله وجوههم مسودة »
( وألحدوا ) حيث عدلوا عن منهج الصواب في معرفة الصانع ( وشبّهوا ) حيث أجروا عليه أحكام
الخلق ، وقد روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : « قال الله عزَّ وجلَّ ما آمن بي من شبّهني بخلقي » ( 1 ) .
( تعالى الله عن ذلك ، إنّه سميع بصير يسمع بما يبصر ويبصر يما يسمع ) أي يسمع بما به يبصر
ويبصر بما به يسمع ، يعني يسمع ويبصر بنفس ذاته الحقّة المجرَّدة عن شائبة التكثّر والتوصيف ،
هامش
1 - رواه الطبرسي في كتاب الاحتجاج من حديث الرضا ( عليه السلام ) عنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هكذا « ما آمن بي من فسر برأيه كلامي ،
وما عرفني من شبهني بخلقي - « الحديث » .