لازماً تقول : ثلم الشيء يثلم من باب علم فهو أثلم بين الثلم فأي المعنيين مراد هنا ؟
قلت : يحتمل أن يكون ثلم هنا لازماً وثلمة فاعله ، أي وقع في الإسلام ثلمة ، ويحتمل أن يكون
متعدّياً وفاعله ضمير فيه يعود إلى الموت وثلمة مفعوله .
فإن قلت : يجوز أن يوجد بدلاً لمن مات فقيه آخر يسدّ الثلمة ؟
قلت : الثلمة الحاصلة بموت الفقيه التي هي عين موته في الحقيقة ; لأنّه كان حصناً للإسلام وأهله
لا يسدّها شيء قطعاً ، بل لا يمكن سدّها أبداً ، ولو وجد فقيه آخر كان حصناً آخر غير الحصن
المهدوم ، وقيل في الجواب عنه : اللام في المؤمن الفقيه للجنس وقد ثبت أنّ رفع الجنس موجب لرفع
جميع أفراده ، فكذا حكم الموت ; لأنّه عدم ، وفيه نظر لأنّ المقصود من الحديث بيان وقوع الثلمة
بموت كلِّ واحد من أفراد المؤمن الفقيه لا بموت مجموع الفقهاء ، فليتأمّل .
* الأصل :
3 - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن محبوب ، عن عليّ بن أبي حمزة قال : سمعت أبا
الحسن موسى بن جعفر ( عليهما السلام ) يقول : « إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة وبقاع الأرض التي
كان يعبد الله عليها ، وأبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله ، وثلم في الإسلام ثلمة لا
يسدّها شيء ; لأنّ المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها » .
* الشرح :
( محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن محبوب ، عن عليّ بن أبي حمزة قال : سمعت أبا الحسن
موسى بن جعفر ( عليهما السلام ) يقول : إذا مات المؤمن ) لا يبعد تقييده بالفقيه ، كما يرشد إليه آخر الحديث :
( بكت عليه الملائكة ) قيل : الملائكة أجسام لطيفة ، وقيل : إنّهم روحانيّون منزّهون عن
الجسمية ( 1 ) ولا يبعد تخصيصهم بالكتبة لأعماله والحافظين لها والصاعدين بها إلى محلّ القبول
هامش
1 - أمّا من قال : إنّهم أجسام لطيفة فنظر إلى ما ورد في الكتاب والسنّة من وصفهم بصفات الأجسام
كالنزول والصعود وكونهم اُولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع ، وكونهم بحيث لا يراهم أحد إلاّ الأنبياء
والأولياء ، ولولا لطافتهم لرآهم جميع الناس ، ومن قال : إنّهم منزّهون عن الجسمية نظر إلى وصفهم
بصفات يستحيل ثبوتها للأجسام مثل عدم تزاحمهم في الأمكنة ودخولهم مكاناً لا منفذ له كبيت
مغلق ، وتمكّنهم في مكان ضيق كمقام ملكين على طرفي فم الإنسان يكتبان ما ينطق به وغير ذلك ممّا لا
يحصى . والحقّ أنّ أصل وجودهم روحاني مجرّد كالإنسان فإنّه إنسان بروحه المجرّدة وله تعلّق ببدن ،
وكذا للملائكة تمثّل بصورة مع تجرّدهم يراهم الأنبياء والأولياء بتلك الصورة كما تمثّل لمريم بشر سوياً ،
وقال تعالى : ( لو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ) ، وهذه الصورة المتمثّلة توصف بصفات الأجسام
كالأجنحة ولا يمتنع عليها ما يمتنع على الأجسام المادية كالتزاحم والدخول في بيت مغلق ، وإذا كانت
الصور المنامية تتّصف بصفات الأجسام كما قال تعالى : ( سبع بقرات سمان يأكلهنّ سبع عجاف ) ،
و ( أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه ) فما يراه الأنبياء يقظة أوْلى بأن يتّصف بها ، ولا يوجب
الاتّصاف بها كونها أجساماً مادية . ( ش )