حين * كما درس الرسوم من الرِّهام ( 1 )
وقيل : الحكيم هو الذي يطلب ما ينفعه ويترك ما يضرّه ويقرب منه ما قيل هو العدل الآخذ
بالحقّ والصواب قولاً وعملاً ، وقيل : هو من لا يغضب على من عصى ولا يحقد على من جفا ، وقيل :
هو من كان كلّ أفعاله صواباً ولا يدخل في اختياره خلل ولا فساد ، وقيل : ليس الحكيم الذي يجمع
العلم الكثير لكنّ الحكيم الذي يعرف صواب ما لَه وما عليه ، وقيل : الحكماء للأخلاق كالأطباء
للأجساد ، وقيل لعالم : مَن الحكيم ؟ قال : من تعلّق بثلاثة فيها علم الأوّلين والآخرين ، قيل : وما هي ؟
قال : تقديم الأمر ، واجتناب النهي ، واتّباع السنّة .
وكيف تريد أن تدّعي حكيماً * وأنت لكلّ ما تهوى ركوب ؟
لعلّ العمر أكثره تولّى * وقد قرب الردى فمتى تتوب ؟
وروي عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنّه قال : « العلم نهر والحكمة بحر والعلماء حول النهر يطوفون ،
والحكماء في وسط البحر يغوصون ، والعارفون في سفن النجاة يخوضون » ( 2 ) ، ولكون الحكماء أعظم
شأناً وأرفع مكاناً رغب في قبول العلم عنهم ، والأخذ منهم ، وأخّرهم للتنبيه على وجوب انتهاء
سلسلة العلوم إليهم ، فانظر أيّها اللبيب إلى ما في هذا الحديث من شرف فضيلة العلم وكماله حيث
بالغ أوّلاً بأنّ شيئاً من شدائد الدهر ونوائبه وجب أن لا يكون مانعاً من تحصيله ، وجعل ثانياً
استخفاف العلماء وعدم الاقتداء بهم من أعظم الكبائر الموجب لأعظم مقت الله وسخطه ، وجعل
ثالثاً ملازمتهم من أعظم القربات الموجب لأعلى درجات محبّته ، هدانا الله وإيّاك إلى مرضاته .
* الأصل :
6 - عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن القاسم بن محمّد ، عن سليمان بن داود المنقري ، عن حفص بن
غياث ، قال : قال لي أبو عبد الله ( عليه السلام ) : « من تعلّم العلم وعمل به وعلّم لله دُعي في ملكوت
السماوات عظيماً ، فقيل : تعلّم لله وعمل لله وعلّم لله » .
هامش
1 - الرهام : جمع الرهمة - بكسر الراء - ، وهي المطر الخفيف الدائم .
2 - اصطلح الناس على إطلاق الحكمة على الفلسفة ، وهي العلم بأحوال أعيان الموجودات بقدر الطاقة
البشرية ، وحيث لا يمكن الإحاطة بجميع الموجودات فكلّ واحد أخذ بشيء من الحكمة ، ولذلك قالوا
بقدر الطاقة البشرية ، ولا ريب أنّ الحكمة في القرآن والحديث ليست نبوّة إذ آتاها لقمان ولم يكن نبيّاً ،
وليس المراد بها أيضاً أخذ أقوال جماعة خاصّة من اليونانيّين تقليداً من غير دليل بل الحكمة تحرّي
الحقيقة بالعقل واتّباع الدليل واختيار الأصلح في القول والفعل و « الحكمة ضالّة المؤمن أينما وجدها
أخذها » كما قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ولو كان في منافق فيجب أخذ الحقّ بالدليل أينما وجد في بابل أو في
اليونان أو الهند أو غيرها ، وبالجملة : الحكمة تحرّي الحقيقة وإصلاح العمل وكلّ ما ذكر يرجع إلى
هذا . ( ش )