* الشرح :
( محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى وعليّ بن إبراهيم ، عن أبيه جميعاً ، عن حمّاد بن
عيسى ، عن عمر بن اُذينة ، عن أبان بن أبي عيّاش ، عن سليم بن قيس قال : سمعت أمير المؤمنين ( عليه السلام )
يقول : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : منهومان لا يشبعان ) المنهوم من النهم بالتحريك ، وهو إفراط الشهوة في
الطعام ، وأن لا يمتلي عن الأكل ولا يشبع ، نهم كفرح وعني فهو نهِمٌ ونهيمٌ ومنهوم ، أي به جوع
شديد وشهوة مفرطة في الأكل لا من النهم بفتح النون وسكون الهاء ، وهو بلوغ النهمة في الأمر
والولوع به ; لأنّ « لا يشبعان » لا يناسبه كثيراً ، والمراد بالمنهومان طالب دنيا وطالب علم ، كما وقع
التفسير بهما على سبيل التوسّع ، ففيه استعارة تحقيقية وترشيح بذكر ما يلائم المشبّه به ، وهو « لا
يشبعان » .
( طالب دنيا ) زائداً على قدر الحاجة والكفاف ; لأنّ من طلب الدنيا زائداً على قدر الحاجة
والكفاف كان ذلك لشدّة حرصه على جمع زخارفها وطول أمله في تحصيل ما يتصوّر منها وكمال
محبّته لها بنفسها ، فهو منهوم لا يشبع بتناول مرتبة من مراتبها ، بل كلّما حصلت له مرتبة اقتضى
الحرص وطول الأمل بتناول مرتبة من مراتبها ، بل كلّما حصلت له مرتبة اقتضى الحرص وطول
الأمل تناول مرتبة اُخرى فوقها ، وهكذا دائماً إلى أن يموت جوعاً .
( وطالب علم ) لأنّ ساحة العلوم أوسع من أن يحول حولها عقول البشر وشامخ المعارف أرفع من
أن يطير فوقها طائر النظر ، كما دلّ عليه قوله تعالى : ( وفوق كلِّ ذي علم عليم ) ، فكلّ من طلب
العلم لتكميل النفس بما يمكن لها من الكمالات فهو منهوم لا يشبع بتناول مرتبة من مراتبه ، بل كلّما
حصلت له مرتبة يستعدّ لتناول اُخرى ، وهكذا دائماً إلى أن يتناول المرتبة التي هي غاية المراتب
الممكنة له ، ثمّ كلّ واحد منهما ينقسم إلى قسمين : أحدهما سالم ناج ، والآخر خاسر هالك .
أمّا الأوّل فلأنّه إن طلب الدنيا من الوجوه المشروعة فهو سالم وإن طلبها من غيرها فهو هالك ،
وإليهما أشار بقوله :
( فمن اقتصر من الدنيا على ما أحلّ الله له سلم ) أي من اقتصر من تحصيل الدنيا على طريق
اكتساب ما أحلّه الله له سلم من آفات الدنيا وعقوبات الآخرة ، وإن كان فيه شهوة وميل إليها لأنّ
جمع الدنيا من ممرّ الحلال حلال لا عقوبة فيه .
( ومن تناولها من غير حلّها ) أي من غير الطرق التي أحلّ الله له الاكتساب منها كالغصب
والنهب والسرقة والكذب إلى غير ذلك من الطرق المذمومة .
شرح أصول الكافي — صفحة 158
مساهمون: محمد صالح المازندراني
ص١٥٨