أخذتم به من أقوال ذلك العالم تسليماً له وقبولا لقوله جاز لكم العمل به ، وهذا التكلّف بعينه من
غير تفاوت أشار إليه ذلك القائل وهو أعلم بما قال وبما حداه على ذلك .
( وقد يسّر الله وله الحمد تأليف ما سألت ) من الكتاب الكافي الشامل لجميع فنون علم الدّين
( وأرجو أن يكون بحيث توخّيت ) أي تحرّيت وقصدت فمهما كان فيه من تقصير في الجمع والتأليف
وذكر ما يحتاج إليه ( فلم تقصر نيّتنا في إهداء النصيحة ) التقصير في الأمر التواني فيه وعدم الاتيان
به على وجه الكمال والاهداء الابلاغ والإرسال . والنصيحة فعل شئ الّذي به الصلاح كارشاد
الجاهل وتنبيه الغافل والإعانة على مصالح الدنيا والدين ، يعني لو كان فيه تقصير ما لم يكن ذلك
لقصور في النيّة وتوانيها بل بالغت في إبلاغ النصيحة بقدر الوسع والطاقة ( إذ كانت ) أي النصيحة
( واجبة لإخواننا وأهل ملّتنا ) لقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) « لينصح الرّجل أخاه كنصيحته لنفسه » ( 1 ) وقول
الصادق ( عليه السلام ) : « يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة » ( 2 ) ( مع ما رجونا ) « ما » مصدريّة والظرف
حال من فاعل أرجو يعني أنّ ذلك الرّجاء مقرون مع رجاء ( أن نكون مشاركين لكلّ من اقتبس
منه ) أي استفاد منه علماً وهداية ( وعمل بما فيه ) من الأحكام ( في دهرنا ) متعلق باقتبس وعمل
أو حال عن فاعلهما ( وفي غابره ) الغابر الماضي والمستقبل وهو من الأضداد والمراد هنا الثاني ( إلى
انقضاء الدنيا ) متعلّق بالغابر وغاية للاقتباس والعمل فلا ينافي رجاء مشاركة الثواب في الآخرة ولم
يذكره لأنّه تابع لذلك الرّجاء ; ثمَّ علّل بقاء الاقتباس والعمل إلى انقضاء الدّنيا بثلاثة أُمور ، الأوّل : ما
أشار إليه بقوله ( إذ الرّب عزّ وجلّ واحد ) لا شريك له فلا يتطرّق التغيّر في تدبيره من جهة الشركة
والتنازع ، والثاني : ما أشار إليه بقوله ( والرسول محمّد خاتم النبيّين ( صلى الله عليه وآله ) واحد ) لا شريك له في
تبليغ الرّسالة فلا يتصوّر فساد الدّين من جهة الشركة في الرّسالة أيضاً .
والثالث : ما أشار إليه بقوله ( والشريعة واحدة ) إذ لا نبيّ بعده ولا شريعة بعد شريعته فلا يتصوّر
زوال الدِّين من جهة النسخ أيضاً ، وبالجملة زوال الدِّين إمّا من جهة التنازع التابع للشركة في الرّب
أو في الرّسول أو من جهة النسخ وإذا انتفت هذه الأُمور بقي الدّين إلى قيام الساعة كما أشار بقوله
( وحلال محمّد حلال ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة ) فإذن كان الاقتباس والعمل بما في هذا
الكتاب المشتمل على حلاله وحرامه باقياً إلى يوم القيامة ( ووسعنا قليلا ) التوسيع خلاف التضييق ،
تقول وسعت الشئ فاتّسع أي صار واسعاً و « قليلا » منصوب على المصدر أي توسيعاً قليلا ( كتاب
الحجّة ) وهو الكتاب الثالث ( 3 ) من كتب الكافي سمّي به لاشتماله على بيان لزوم الحجّة وعدم خلوِّ
هامش
1 - ورواه الكليني - رحمه الله - في باب نصيحة المؤمن من كتاب الايمان والكفر من الكافي تحت رقم 4 .
2 - رواه الكليني - رحمه الله - أيضاً في الباب المذكور تحت رقم 3 .
3 - هذا سهو من الشارح أو تصحيف من النساخ فإن كتاب الحجة هو الكتاب الرابع من الكافي .