كان يأكل بقلة الأرض حتى كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه ( 1 ) ، وإلى حال
داود ( عليه السلام ) فإنه كان يعمل سفايف الخوص بيده ويقول لجلسائه أيكم يكفيني بيعها ويأكل قرص
الشعير من ثمنها ، وإلى حال عيسى ابن مريم ( عليهم السلام ) فإنه يتوسد الحجر ويلبس الخشن وكان
إدامه الجوع ، وسراجه بالليل القمر ، وظلاله في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها ، وفاكهته ما تنبت
الأرض للبهايم ، ولم تكن له زوجة تفتنه ، ولا ولد يحزنه ، ولا مال يلفته ، ولا طمع يذله ، دابته رجلاه ،
وخادمه يداه .
وإلى حال نبيك الأطيب الأطهر ( صلى الله عليه وآله ) وفيه اُسوة لمن تأسى وعزاء لمن تعزى وأحبُّ الأعمال إلى
الله تعالى التأسي به والاقتفاء لأثره فإنه قضم الدنيا قضماً ولم يعرها طرفاً ( 2 ) وأهضم أهل الدنيا
كشحاً ، وأخمصهم بطناً ، وعرضت عليه الدنيا وخزاينها فأبى أن يقبلها ، وقد كان ( صلى الله عليه وآله ) يأكل على
الأرض ، ويجلس جلسة العبد ، ويخصف بيده نعله ، ويرقع بيده ثوبه ، ويركب الحمار العاري ويردف
خلفه ، ويكون الستر على باب بعض زوجاته ويكون فيه التصاوير فيقول : لها غيبيه عني فإني إذا
نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها فأعرض عن الدنيا بقلبه ، وأمات ذكرها من نفسه وأحب أن
تغيب زينتها عن عينه لكي لا يتخذ منها رياشاً وتجملا ( 3 ) ولا يعتقدها قراراً ولا يرجو فيها مقاماً ،
فأخرجها عن النفس ، وأشخصها عن القلب وغيبها عن البصر وكذلك من أبغض شيئاً أبغض أن
ينظر إليه وأن يذكر عنده ، وقد كان فيه ( صلى الله عليه وآله ) ما يدلك على مساوي الدنيا وعيوبها إذ جاع فيها مع
خاصته وزويت عنها زخارفها مع عظيم زلفته ، فانظر بنور عقلك أكرمه الله تعالى بذلك أم أهانه ، فإن
قلت : أهانه فقد كذبت وأتيت بالإفك العظيم ، وإن قلت : أكرمه فالعلم أنه تعالى قد أهان غيره حيث
بسط الدنيا له وزواها عن أقرب الناس منه . وإلى حال وصي نبيك أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فإنه قال : رقعت
مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها ولقد قال لي قائل : ألا تنبذها ؟ فقلت : أعزب عني فعند
الصباح يحمد القوم السرى .
قوله ( عليه السلام ) : « فعند الصباح - إلى آخره - ) مثل يضرب محتمل المشقة ليصل إلى الراحة وأصله أن
هامش
1 - شف الثوب أي رق ، والصفاق الجلد الأسفل تحت الجلد الذي عليه الشعر ، وقيل جلد البطن كله .
2 - الطرف نظر العين اي لم يعطها نظرة على وجه العارية فكيف بان يجعلها مطمح نظره . والهضم محركة انضمام
الجنبين وخمص البطن . وطوى عنه كشحاً أي أعرض عنه وقاطعه . والكشح : ما بين الخاصرة إلى الضلع .
3 - الرياش اللباس الفاخر .