( ليدّبّروا آياته ) فيعرفوا ما فيه من الشرايع والأحكام والمواعظ والنصائح والعبر التي بها يتمُّ
نظامهم في الدارين ويصلح حالهم في النشأتين ( وليتذكر اُولو الألباب ) أي وليعلم ما فيه من
الأسرار الإلهية الربانية التي لا يهتدي إليها إلاّ ذوو العقول الكاملة والأذهان الثاقبة وهم أهل
العصمة ( عليهم السلام ) فإن علوم الكتاب بعضها ظاهر سهل المأخذ يعرفه أكثر العلماء بالتدبر والتأمل فيه ،
وبعضها خفي لا يصل إليه إلاّ اُولو الألباب وذوو العقول الكاملة العارية عن شوايب النقصان ، وقيل :
الكتب الإلهية بيان لما لا يعرف إلاّ بالشرع وإرشاد إلى ما يستقلُّ به العقل والتدبر للأول والتذكر
للثاني ، وقيل : الكتاب مشتمل على أسرار عظيمة ومعارف لطيفة وفائدة إنزاله أن يتدبر المتدبرون
ويتفكر المتفكرون آياته ، والغرض الأصلي من التدبر والتفكر وهو النظر والتأمل أن يحصل لهم الذكر
أي المعرفة اليقينية بتلك الأسرار والمعارف ، والتدبر لا يستلزم التفكر إذ رب متفكر لا ينتهي بفكره
إلى المطلوب فالتدبر غير مختص باُولي الألباب ، بل يعمهم وغيرهم بخلاف التذكر فإنه مختص بهم ،
فقد ثبت أن غاية إنزاله ليس إلاّ التذكر المختص باُولى الألباب ، وهذا غاية المدح والتعظيم لهم ، وفيه أن
ظاهر العطف يقتضي أن كلاً من التدبر والتذكر غاية مستقلة لانزاله ( قال : ( ولقد أتينا موسى
الهدى ) أي الدلالة على الدين أو ما يهتدي به إليه من المعجزات والصحف والشرايع ( وأورثنا بني
إسرائيل الكتاب ) أي التوراة يعني تركناه بعده عليهم يتوارثونه ويأخذونه بعضهم من بعض
ويحملونه ويحفظون ألفاظه ومدلولاته اللفظية ومعانيه الأولية وأحكامه الظاهرية ( هدى وذكرى )
مفعولُ له لقوله أورثنا أو حال عن فاعله أو عن الكتاب أي أورثناه لأجل الهداية والتذكير أو هادياً
ومذكراً ( لاُولى الألباب ) أي لذوي العقول الصحيحة السليمة وهم الراسخون في العلم العارفون
بالله وصفاته وأفعاله العالمون بأحوال المبدء والمعاد المشاهدون لها بعيون البصائر المهذبون لأخلاقهم
الظاهرة والباطنة : وملخصه : أن غير اُولى الألباب من أهل الكتاب بمنزلة الخدمة لهم يحفظون الكتاب
لئلاّ يندرس بطول الأزمنة فيبقي محفوظاً لهؤلاء الكاملين في العقول وهم أوصياء موسى ( عليه السلام ) وعلماء
اُمته فهم الممدوحون غاية المدح والتعظيم المقصودون من الثناء والتكريم ، وفيه تنبيه على أن سبحانه
أورث القرآن في هذه الاُمة بعد نبينا ( صلى الله عليه وآله ) هدى وذكرى لأولي الألباب وهم العلماء الراسخون من اُمته
الأوصياء المرضيون من عترته لا يفارقهم القرآن ولا يفارقونه حتى يردوا عليه يوم القيامة كما
قال ( صلى الله عليه وآله ) « إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي أهل بيتي ألا وهما الخليفتان من
بعدي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض » ( 1 ) .
هامش
1 - أما من طريق العامة أخرجه مسلم ج 7 ص 122 والدارمي ح 2 ص 432 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 109
وخصائص النسائي ص 30 ومسند أحمد ج 3 ص 14 و 17 و 26 و 59 وج 4 ص 356 و 381 بألفاظ مختلفة وأما
من طريق الخاصة فمروي بطرق متعددة .