وفيئه إلى الحق ، ثم جاء إليه الحسين ( ع ) وهو ممدد فقال :
لنعم الحر حر بني رياح * صبور عند مشتبك الرماح
ونعم الحر إذ نادى حسينا * وجاد بنفسه عند الصباح
وقال : والله ما أخطأت أمك لما سمتك حرا ، فأنت الحر في الدنيا والآخرة !
كان شعار الإمام الحسين ( ع ) بكربلاء ( الحرية ) ولذلك معنى عميق ، يدرك
باستيعاب الحدث وفلسفته . انطلق الإمام وهو ينادي القوم ( إن كنتم لا تؤمنون
بالله ولا تخافون الميعاد ، فكونوا أحرارا في دنياكم إن كنتم عربا كما تزعمون )
وقضية الحسين ، هي بالإضافة إلى كونها قضية إسلام وجاهلية ، تبقى قضيته
حرية . إذ أن الذين طلبوه ثم خذلوه ، كانوا يفتقدون للحس التحريري . التحرر
من كل ما يفقد الضمير يقظته ، ويعكر المعاني والقيم في النفوس . لقد فقدوا
حريتهم أمام ( دنيا ) يزيد . واستعبدهم بطشه . فافتقدوا الإرادة ، وافتقدوا معها
( الحرية ) . ولم تكن هذه المعركة تعبر حتى عن الذهنية العربية . فمعارك العرب
أسمى من أن تجمع بين جيش جرار وفئة قليلة من الناس . وهي أسمى من أن
تجمع بين لقطاء وبين عصبة تنتمي لبيت الشرف . وقد كان الحس القبلي طاغيا
على الحس الغنيمي عند العرب ، والفضيلة غالبة على كل الاعتبارات الأخرى
فهذا القدر من الحرية ، افتقده جيش يزيد ، وبالتالي كانوا يحتاجون إلى أكثر من
قفزة للوصول إلى مستوى الخطاب الإسلامي . فهم في حاجة إلى ( حرية ) ولو في
صبغتها العربية ، كان الحر بن يزيد هو ذلك النموذج الذي أثرت عليه كلمات
الحسين ( ع ) والإحساس بالتحرر كان لا يزال حيا في أعماقه . وكل من كان هناك
كان يعرف إنه مسلوب الحرية باختيار منه ليس إلا . فالحر بن يزيد أدرك إنه أكثر
تحررا من أن يمنعه القوم المجرمون عن نصرة الحسين ( ع ) ومهما بطش يزيد
وتجبر ، فإنه لا يملك أن يسلب الحرية ممن وطن نفسه على الكفاح واستقبل الموت
بصدر وسيع . كان يزيد أقل قدرا وأخس من أن يجبر مسلما على الخضوع لو أن
المسلمين استجابوا للجهاد . فما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا . وكان نموذج أهل الكوفة
نموذج القوم الذين افتقدوا حس التحرر . وتلك هي أهم القضايا التي واجهها
لقد شيعني الحسين ( ع ) — صفحة 305
مساهمون: إدريس الحسيني المغربي
ص٣٠٥