بسم الله الرحمن الرحيم
( الحمد لله ) حمدا لله على ما أنعم به من معرفة الحكم المنزلة على قلوب أنبيائه ، التي بيتها وفصلها في فصوص كتابه ، فلذلك وصفه بما دل على مقصده ، مراعاة لبراعة الاستهلال وهو قوله ( منزل الحكم على قلوب الكلم ) ، والحكم جمع الحكمة وهي العلم بحقائق الأشياء وأوصافها وأحكامها على ما هي عليه بالأقوال والأفعال الإرادية المقتضى لسدادها وصوابها ، فإن من العلوم ما لا يتعلق بالأفعال كمعرفة الله تعالى والحقائق المجردة من الأسماء الإلهية ، وعلوم المشاهدات والمعارف الذوقية من المعاني الكلية ، وهي علوم الأرواح .
ومنها ما يتعلق بها ولا يقتضي إتقانها وسدادها كعلوم النفوس الجزئية المذكرة بقواها . ومنها الجامعة للكليات والجزئيات الفائضة أصولها من الأرواح المضبوطة جزئياتها وفروعاتها ، المحكمة بانطباق كلياتها على جزئياتها ، المبقية جزئياتها بكلياتها وهي حكم القلوب المتوسطة بين الأرواح والنفوس والكلم مستعارة لذوات الأنبياء والأرواح المجردة عن عالم الجبروت المسمى باصطلاح الإشراقيين الأنوار القاهرة إما لأنهم وسائط بين الحق والخلق تصل بتوسطهم المعاني التي في ذاته تعالى إليهم كالكلمات المتوسطة بين المتكلم والسامع لإفادة المعنى الذي في نفس المتكلم للسامع أو لتجردها عن المواد وتعينها بالإبداع وتقدسها عن الزمان والمكان الموجودة بكلمة كن في عالم الأمر إطلاقا لاسم السبب على المسبب ، والدليل على الاستعمال بالمعنى المذكور قوله تعالى - * ( إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ الله وكَلِمَتُه ) * - وقوله عن الملائكة - * ( إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْه ) * - وقول النبي صلى الله عليه وسلم في دعواته « أعوذ بكلمات الله التامات ، وأعوذ باسمك الأعظم وبكلمتك التامة » وهنا مخصوصة بذوات الأنبياء بقرينة إضافة القلوب إليها . وقد تطلق الكلمة على كل موجود يصدر من الله تعالى لدلالتها على معان في ذاته ولهذا قيد المجردات بالتامات ( بأحدية الطريق الأمم ) الطريق الأمم :
الصراط المستقيم لأن الأمم القرب وأقرب الطرق المستقيم ولا يكون إلا واحدا أي الطريق التوحيد الذاتي المشار إليه في سورة هود بقوله تعالى - * ( ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) * - يعنى بالقائها ( من المقام الأقدم ) الذي هو أحدية الذات المنزهة عن تكثر الأسماء والصفات إلى قلوبهم بلا واسطة ، فإن الأحدية سارية في الكل وسريانه بذاته صراطه المستقيم ، ولا أقدم من الذات فوصف الطريق بالأمم وصف بالمصدر ، كما
Commentary
وتخصيص الحكم والكلم بالحكم والأنبياء المذكورين في الكتاب أنسب من التعميم فاللام للعهد والإنزال الإيداع لا من التنزيل اه اتحاد الأشخاص في الأنواع أو اتحاد الأنواع في الأجناس وبه حصل الحب لله بين الناس الذي يوجب محبة الله إياهم التي توجب رحمة الله بهم ولو لم يكن الاتحاد لوقع الاختلاف والعداوة التي توجب عقاب الله فالأحدية أعظم نعمة من الله لنا ولذا خص الحمد به اه بالى .