وما حدثت به أنفسهم وإن لم يفعلوه « فإن كل إنسان قد يحدث نفسه بفعل شيء ويهم به ، ويرده عنه من فعله صارف منه وهو يسمع حديث نفسه ويعلم اختلاف أحكامها عند التردد في الفعل ، وهو المحدث والسامع والآمن والناهي والعالم بجميع ذلك ، مع أن عينه واحدة لاختلاف قواه ومبادى أفعاله من العقل والوهم والغضب والشهوة وغير ذلك ، فهو بعينه صورة الحق في الوجوه والأحكام الأسمائية . ( فاختلطت الأمور وظهرت الأعداد بالواحد في المراتب المعلومة ، فأوجد الواحد العدد وفصل العدد الواحد ، وما ظهر حكم العدد إلا بالمعدود ) سبب اختلاط الأمور واشتباهها تكثر العين الواحدة بالتعينات والمراتب ، إذ لا شيء في الوجود إلا تلك العين الواحدة المتكررة بالتعينات المختلفة ، ألا ترى أن الواحد في أول مرتبة واحد ، وفي الثانية عشرة وفي الثالثة مائة ، وفي الرابعة ألف ، وكل واحدة من هذه المراتب كلية يحتوي على بسائط الآحاد والعقود ، كالأنواع المحتوية على الأشخاص ، والأجناس المحتوية على الأنواع ، فإن الواحد في المرتبة الأولى إذا تجلى في صورة أخرى يسمى اثنين ، وليس إلا واحدا وواحدا جمعا والواحد ليس بعدد والهيئة الاجتماعية واحدة ، والمجموع المسمى اثنين عدد واحد ، فالصورة واحدة والمادة واحدة والمجموع واحد تجلى في صورة كثرة ، فأنشأ الواحد العدد بتجليه في صورتين ، وكذا الثلاثة واحد وواحد وواحد وحكمها في الواحدية حكم الاثنين ، وهكذا إلى التسعة التي هي بسائط الواحد وتعيناتها في المرتبة الأولى ، فإذا تجلى في المرتبة الثانية يسمى عشرة وليس إلا الواحد صورة ومادة ومجموعا ، فالواحد هو المسمى بجميع مراتب العدد وأسمائه ، وصور المراتب تجلياته فهو الإنسان من حيث أنه عدد واحد وثاني اثنين وثالث ثلاثة ورابع أربعة ، وكذلك في التفسير لقوله تعالى - * ( ما يَكُونُ من نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ولا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ ولا أَدْنى من ذلِكَ ولا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ ) * - فالواحد منشئ العدد والعدد مفصل الواحد ، وإذا فصلت العدد عند التحليل والتحقيق لم تجد إلا الواحد المتجلى في صورة تعيناته ومراتب تجلياته .
شرح
( وفصل العدد الواحد ) وهو نظير لتفصيل العالم الحق وأحكامه وأسمائه ، إذ الواحد أوجد بتكريره العدد والعدد يفصل الواحد في المراتب المعلومة مثل الاثنين والثلاثة ، فكانت مرات العدد كله مراتب الواحد يظهر فيها بتكرره ، فهو عين واحدة تختلف عليها الأحكام بحسب المراتب ، فإن صورة الثلاثة مثلا واحدة ومادته وهي تكرر الواحد واحدة ، والكثرة معدومة في الخارج فلا موجود في الخارج إلا عين واحدة ( وما ظهر حكم العدد إلا بالمعدود ) لأنه عرض غير قائم بنفسه يقتضي محلا يقوم به وهو الجوهر المعدود اه بالى .
واعلم أن الواحد هو الله المثل الأعلى مثال العين الواحدة التي هي حقيقة الحق تعالى ، والعدد مثال الكثرة الأسمائية الحاصلة من تجلى تلك الحقيقة بصور شؤونها ونسبها الذاتية ، أو لكثرة الأعيان الثابتة في العلم ، والمعدود مثال الحقائق الكونية والمظاهر الخلقية التي لا تظهر أحكام الأسماء ولا أحوال الأعيان الثابتة إلا بها اه جامى .