قوله ( ولو أن نوحا جمع لقومه بين الدعوتين لأجابوه ) معناه أن نوحا عليه السلام بالغ في التنزيه لإفراطهم في التشبيه ، وهم أثبتوا التعدد الأسمائى واحتجبوا بالكثرة عن الوحدة فلو لم يؤاخذهم بالتوحيد الصرف والتنزيه المحض وأثبت التعدد الأسمائى ودعاهم إلى الكثير الواحد والكثرة الواحدة وألبس الوحدة صورة الكثرة وجمع بين الدعوة التشبيهية والتنزيهية كما فعل محمد عليه الصلاة والسلام لأجابوه بما ناسب التشبيه من ظواهرهم لألفتهم مع الشرك وبما ناسب التنزيه من بواطنهم ، ولكن اقتضى حالهم من التعمق في الشرك القهر بالغيرة الإلهية ، فلم يرسل إليهم إلا ليباريهم ولا يداريهم ( فدعاهم جهارا ) إلى الاسم الظاهر وأحديته القامعة لكثرات الأسماء الداخلة تحته ، فلم يجيبوه بظواهرهم لغلبة أحكام الكثرة عليهم وإصرارهم بها ( ثم دعاهم إسرارا ) إلى اسمه الباطن وأحديته الغامرة لكثرات الأسماء المنسوبة إليه ، لعل أرواحهم تقبل دعوتهم بالنور الاستعدادي الأصلي ، فلم يرفعوا بذلك رأسا لتوغلهم في الميل إلى الكثرة الظاهرة وبعدهم عن الوحدة الباطنة ، واستيلاء أحكام التعينات المظلمة الجرمانية عليها ( ثم قال لهم - * ( اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ) * ) الواحد ليستركم بنوره عن هذه الحجب الظلمانية والهيئات الفاسقة * ( ( إِنَّه كانَ غَفَّاراً ) * - ) كثير الستر لهذه الذنوب المربوطة ، وشكا إلى ربه لبعدهم عن التوحيد ومنافاتهم عن حاله ( وقال - * ( دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ) * ) إلى الباطن * ( ( ونَهاراً ) * ) إلى الظاهر * ( ( فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً ) * - ) لبعدهم عن التوحيد ونفارهم عما فيه ( وذكر عن قومه أنهم تصامموا عن دعوته ) لأنهم فهموا بحكم ما غلب عليهم من الاحتجاب بالكثرة من الاستغفار الستر عما لا يوافقهم وينافي مقامهم وحالهم ودينهم من التوحيد الذي يدعوهم إليه ( لعلمهم بما يجب عليهم من إجابة دعوته ) أي لما علموا بحسب اقتضاء حالهم ومقامهم أن إجابة دعوته في مقام التقييد الأسمائى ، إنما يجب على هذه الصورة ( فعلم العلماء باللَّه ما أشار إليه نوح في حق قومه من الثناء عليهم بلسان الذم ) فإن العزيز الجليل لما تعزز بجلاله ، وأقام أهل الذل والتأخير في مرتبة خير من مراتب جميع الوجود كان هو المانع عن تقدمهم ، فيكون العالم باللَّه الهادي بهدايته يذمهم بلسان
شرح
( ولو أن نوحا جمع لقومه ) أي الذين لم يجيبوا دعوته ، إذ الذين أجابوا دعوته لا يحتاج في حقهم إلى الجمع بين الدعوتين ( لأجابوه ) من كان من شأنه قبول الدعوة لا بمعنى أجابوا كلهم . كما أن رسول الله جمع بين الدعوتين ولم يجب من لا استحقاق له كأبي جهل وأحزابه ، فظهر أن الجمع لا يوجب الإجابة مطلقا ولم يفعل نوح ذلك لأنه لم يؤت بجوامع الكلم اه بالى .
( إِنَّه كانَ غَفَّاراً ) أي ستارا لمن طلب الستر . فدعاهم بثلاث دعوات : إلى الباطن وهو التنزيه ، وإلى الظاهر وهو التشبيه ، وإلى الفناء في الله وهو قوله ( اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ) ولم يف استعدادهم بقبول الإجابة بلبيك فقبلوا دعوته بالفعل ، وإن لم يعرفوا قبولهم وهو فناء وجوداتهم في الله ، لذلك أغرقوا بالطوفان ( إلا فرارا ) أصل الفرار محذوفة من وإلى إذ الفرار حركة لا بد له من البدء والغاية فكان المعنى في حق الخواص فرارا من وجوداتهم إلى الله ، فكان ابتداء الفرار الستر من وجودهم وغاية الحق ، فكان مدحا يفهمه العلماء باللَّه اه بالى .