تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح فصوص الحكم — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
( وأما قوله « وجعلت قرة عيني في الصلاة » ولم ينسب الجعل إلى نفسه ، فإن تجلى الحق للمصلي إنما هو راجع إليه تعالى لا إلى المصلى ، فإنه لو لم يذكر هذه الصفة عن نفسه لأمره بالصلاة على غير تجل منه له ، فلما كان منه ذلك بطريق الامتنان كانت المشاهدة بطريق الامتنان ، فقال « جعلت قرة عيني في الصلاة » وليس إلا مشاهدة المحبوب التي تقر بها عين المحب من الاستقرار فتستقر العين عند رؤيته فلا ينظر معه إلى شيء غيره في شيء وفي غير شيء ) يعنى في شيء موجود تعلقت المشيئة بوجوده من قولهم ، كل شيء بمشيئة الله تعالى أي بمشيئته وغير شيء ما تتعلق به المشيئة من الأعيان والنسب والتجليات ، وإنما أخذ القرة من الاستقرار : أي القرار ، لأن من شاهد حبيبه استقرت عينه : أي ثبتت وقرت من القرار فلا تلتفت إلى غيره ، ولهذا يقال : قرير العين بمعنى المسرور ، فإن كل مسرور فسروره إنما هو بوصول مطلوبه فلا بد تولى غيره ، وقيل : من القر أي البرد ، لأن السرور تبرد عينه والمغموم تسخن عينه ، لأن برودتها إنما يكون بسكونها وقرارها بالنظر إلى ما يسره وسخونها لحركتها واضطرابها في طلب ما يسره فهو لما ذكر تعليل الحركة بالخوف ، وفي الأصل معللة بالحب لكن المحجوب عند السبب القريب ، وأهل الكشف يذهبون إلى الأصل بخرق الحجب ، فالعبد إنما يكون قرير العين إذا شاهد عين حبيبه لقرار عينه بوجه الحق فلا يشاهد سواه ، ويفنى عن نفسه وعن كل ما يسمى سوى الحق في هذا الشهود فتقر عينه وتثبت ، وإنما يقال : قرت عينه تقر بفتح القاف إذا ابتهج برؤية ما يسره ، وقرير بكسر القاف إذا ثبت الفرق ، وهذا الشهود فوق اللقاء منتظر الموعود لأن اللقاء يقتضي الإثنينية وهذا يقتضي أحدية العين والله الأحد ، وأما تغيير النظم عن الأسلوب الطبيعي ، ولم يعطف الثالث وسلك طريقة أسلوب الحكيم وهو صلى الله عليه وسلم أفصح العرب ، تنبيهات على أن الثالث أعظم من الباقيين وهو المقصود بالقصد الأول ، فإن أجل المطلوب شهود المحبوب ( ولذلك نهى عن الالتفات في الصلاة ، فإن الالتفات شيء يختلسه الشيطان من صلاة العبد فيحرمه مشاهدة محبوبه ، بل لو كان الحق محبوب هذا الملتفت ما التفت في صلاته إلى غير قبلته بوجهه ) البتة : يعنى لما كانت القبلة في الحقيقة وجه المحبوب ، والمحبوب ينبغي أن يتجليه في سمت قبلته لم يجز الالتفات في الصلاة إلى غير قبلته ، فإن وقع منه الالتفات في جهة القبلة من غير توجهه إلى جهة غير القبلة ، فإن الحق قد يعفو عنه لأنه في قبلته ( والإنسان يعلم حاله في نفسه ، هل هو بهذه المثابة في هذه العبادة الخاصة أم لا ، فإن الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره فهو يعرف كذبه من صدقه في نفسه لأن الإنسان لا يجهل حاله
شرح
لأنه لو لم يذكر الحق هذه الصفة عن نفسه بأن يقول الرسول : جعلت أنا قرة عينك في الصلاة ، ولم يذكر الحق بلسان نبيه لأمر الرسول بالصلاة على غير تجل منه ، أي من الحق للرسول بالى . عن وجود العبد أي لا تظهر هذه الصلاة منه إلا بعد وجود العبد كما تتأخر رحمته عن شفاعة الشافعين في الآخرة بالى .
شرح فصوص الحكم — صفحة 343 | الشيخ عبد الرزاق القاشاني ( الكاشاني )