تشبيها شهوديا كشفيا ( ورأى سريان الحق بالوجود في الصور الطبيعية والعنصرية ، وما بقيت له صورة إلا ويرى عين الحق عينها ، وهذه هي المعرفة التامة الكاملة التي جاءت بها الشرائع المنزلة من عند الله ، وحكمت أيضا بهذه المعرفة الأوهام كلها ) لأن الوهم يستشرف ما وراء موجبات الأفكار ولا ينفعل عن القوة العقلية من حيث تقييدها انفعالا يخرج عن الإطلاق ، فيجيز الحكم على المطلق بالتقييد مرة ويحكم بالعكس أخرى ، ولا يحيل ذلك وبحكم بالشاهد على الغائب تارة وبالعكس أخرى ، وهذا في جميع من له قوة الوهم من المقلدين والمؤمنين .
( ولهذا كانت الأوهام أقوى سلطانا في هذه النشأة الإنسانية من العقول ، لأن العاقل وإن بلغ من عقله ما بلغ لم يخل عن حكم الوهم عليه والتصور فيما عقل ، فالوهم هو السلطان الأعظم في هذه النشأة الصورية الكاملة الإنسانية . وبه جاءت الشرائع المنزلة فشبهت ونزهت شهت في التنزيه بالوهم ونزهت في التشبيه بالعقل فارتبط الكل بالكل ، فلا يمكن أن يخلو تنزيه عن تشبيه ولا تشبيه عن تنزيه ، قال الله تعالى - * ( لَيْسَ كَمِثْلِه شَيْءٌ ) * - فنزه وشبه ) أي نزه في عين التشبيه حيث نفى عن كل شيء مماثلة في مثليته وهو عين التشبيه . لأنه إثبات المثل . ولما نفى عن كل شيء مماثلة المثل نزه الحق أن يكون مثلا له لأنه شيء من الأشياء فلا يماثل ذلك المثل ، وإذا لم يكن مثل مثله فبالأحرى أن يكون ذلك المثل ليس مثلا له وذلك في غاية التنزيه ، فهو تشبيه في تنزيه وتنزيه في تشبيه - * ( وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) * - فشبه ) أي في عين التنزيه لأنه أثبت له السمعية والبصرية اللتين هما صفتان ثابتتان للعبد وهو محض التشبيه ، لكنه خصصهما بالصيغة التركيبية المفيدة للحصر حيث حمل الصفتين المعرفتين بلام الجنس على ضميره ، فأفاد أنه هو السميع وحده لا سميع غيره ، وهو البصير وحده لا بصير غيره وهو عين التنزيه ، فتأمل ( وهي أعظم آية نزلت في التنزيه ، ومع ذلك لم تخل عن تشبيه بالكاف ، فهو أعلم
شرح
( إلا ويرى الحق عينها ) عين من وجه ، ومعنى سريان الحق في الصور ظهور آثار أسمائه وصفاته فيها .
ولو لم يكن الصورة مع الحق جهة الاتحاد والعينية في وجه خاص لم يكن العالم دليلا على وجوده ووجوبه ووحدانيته فكان إلياس مع هذا الوجه آنس الإنسان ، فسريان الحق في الصور عند أهل الحقيقة كإحاطة الحق بالأشياء عند علماء الرسوم في أن المراد من كل واحد منهما معنى واحد ، وكون الحق عين الأشياء عند أهل الله كاتحاد الحق مع الأشياء في بعض الأمور الكلية عند أهل الظاهر ، ولا مخالفة بينهما إلا في العبارة لا في المعنى اه بالى .
( قوله ويرى الحق عينها ) من حيث اتحاد الظاهر بالظاهر والتصور فيما عقل فإذا حكم العقل بالتنزيه في موضع فقد حكم الوهم بالتشبيه في ذلك الموضع لشهوده سريان الحق في الصور الذهنية والخارجية ، فشاهد الحق في صورة التنزيه الذي حصل في العقل ، ويرى أن إثبات التنزيه له تحديد ، والتحديد عين التشبيه ، ولا شعور للعقل أن تنزيهه صورة من الصور التي يجب تنزيه الحق عنها عنده فحكم على العقل وعلى إدراكه بالى .
( عن صفة يظهر فيها ) إذ لا بد لظهور الحق من صفة ، وثبوت تلك الصفة له عين التشبيه ، على أن كونه في كنزه ظهوره بصفة الخفاء والعماء ، وتنزيه الشرع إنما هو بمقتضى العقول لا لكون الأمر في نفسه كذلك ، لذلك نزه عن تنزيه العقول بقوله - سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ) * - اه بالى .