فكل ما يظهر في الحس صورة لمعنى غيبى ، ووجه من وجوه الحق برزه ، والعلم بذلك هو الكشف المعنوي ، فمن أوتى ذلك في كل ما يرى ويسمع ويعقل فقد أوتى خيرا كثيرا ، وقد أشار إليه عليه الصلاة والسلام في قوله « الناس نيام » فكل ما يجرى عليهم فهو صورة لمعنى مما عند الله ومثال لحقيقة من الحقائق الغيبية ، وكان عليه الصلاة والسلام يشهد الحق في كل ما يرى ويدرك بل لا يغيب عن شهوده ، كما قال عليه الصلاة والسلام « اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم » فصرح بشهود وجهه تعالى ، وأنه فان في شهوده فلا لذة له لفنائه وحيرته فيه ، فسأل لذة الشهود بالبقاء بعد الفناء ، والفرق بعد الجمع لوجدان لذة الشهود وهي مرتبة أعلى من الشهود ، والفناء بالشهود هو الموت الحقيقي المشار إليه بالهلاك في قوله - * ( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ) * - والبقاء بعد الفناء هو الانتباه الحقيقي ، فكل ما يرى إلى الرسول في حال يقظته فهو من قبيل ما يرى في النوم وإن اختلفت الأحوال ، فإن هذا في الحس وذلك في الخيال ، ولكنها من حيث إن كلا منهما مثال وصورة لمعنى حقيقي سواه ، وفي بعض النسخ : وكل ما يرى في حال النوم .
والمراد به إن صحت الرواية النوم المشار إليه بقوله « نيام » والمرئي في الحس فيه كالمرئى بالخيال ( فمضى قولها ستة أشهر ، بل عمره كله في الدنيا بتلك المثابة إنما هو منام في منام ) قولها بمعنى مقولها أي المدة التي هي ستة أشهر بدليل عطف قوله : بل عمره كله في الدنيا عليه ، وهو كالحلف بمعنى المحلوف عليه في قوله عليه الصلاة والسلام « إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك » أي فمضى زمان الرؤيا وهو ستة أشهر بل عمره كله في الدنيا بتلك المثابة ، أي بالعبور عما رأى في الخيال أو الحس من الصور إلى معانيها ، أي الحق المتجلى في تلك الصور المعرف له حقائق أسمائه إنما هو ، أي ما قالت من المدة ، منام في منام ، أي الناس في الدنيا في ضرب مثال وكشف صوري ، يجعل الله تعريفا لهم بأفعالهم وأحوالهم وأقوالهم تجلياته في كل ما يجرى عليهم وهم عنها غافلون ، كقوله تعالى - * ( وكَأَيِّنْ من آيَةٍ في السَّماواتِ والأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ) * - ( وكل ما ورد من هذا القبيل فهو المسمى عالم الخيال ، ولهذا يعبر : أي الأمر الذي هو في نفسه على صورة كذا ظهر في صورة غيرها ) أي تفسير لهذا القبيل ، والمعنى كل ما ورد
شرح
وإن اختلفت الأحوال ، أي أحوال النوم ، بأن كان حال النوم المزاجي الحقيقي أو حال النوم الحكمي اه ( فمضى ) عمره عليه الصلاة والسلام في الوحي .
( قولها ) أي في قول عائشة : ومضى بعد ذلك عمره في الوحي بمجيء الملك ( بل ) مضى ( عمره كله في الدنيا ) في الوحي ( بهذه المثابة ) أي بمثابة ستة أشهر في كون الوحي في المنام ، فإذا فوحيه كله ( إنما هو منام في منام ) أو فعمره كله في الوحي كله منام في منام الأول هو حضرة الخيال والثاني ؟ ؟ ؟ قوله عليه الصلاة والسلام « الناس نيام » وهو اليقظة اه بالى .
( وكل ما ورد من هذا القبيل ) أي من قبيل المنام في المنام فهو المسمى عالم الخيال ، فكان الوحي كلها سواء كان بالرؤيا أو بالملك ، وسواء سمى نائما أو لم يسم من عالم الخيال اه ( هذا ) أي إدراك هذه الأشياء .