لما تقرر أن المواعيد لا بد من تحققها والإيعاد قد يجاوز عنه ولا يوجد بما أوعد عليه ، قال بعض التراجم فيه :
وإني إذا أوعدته أو وعدته
لمخلف إيعادى ومنجز موعدي
قال : وإن دخلوا دار الشقاء وهي جهنم لاستحقاق العقاب فلا بد أن يؤول أمرهم إلى الرحمة ، لقوله « سبقت رحمتي غضبى » فينقلب العذاب في العاقبة عذبا ، وذلك أن أهل النار إذا دخلوها وتسلط عليهم العذاب بظواهرهم وبواطنهم هلكهم الجزع والاضطرار ، فيكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضا متخاصمين متقاولين ، كما نطق به كلام الله في مواضع وقد - * ( أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها ) * - فطلبوا أن يخفف عنهم العذاب أو أن يقضى عليهم ، كما حكى الله عنهم بقوله ليقض علينا ربك أو أن يرجعوا إلى الدنيا فلم يجابوا إلى طلباتهم ، هل أخبروا بقوله - * ( لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ ولا هُمْ يُنْظَرُونَ ) * - ؟ وخوطبوا بمثل قوله - * ( إِنَّكُمْ ماكِثُونَ ) * - * ( اخْسَؤُا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ ) * - فلما يئسوا وظنوا أنفسهم على العذاب والمكث على ممر السنين والأحقاب ، وتغللوا بالأغلال ومالوا إلى الاضطراب وقالوا - * ( سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا من مَحِيصٍ ) * - فعند ذلك دفع الله العذاب عن بواطنهم وخبت نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ، ثم إذا تعودوا بالعذاب بعد مضى الأحقاب ألفوه ولم يتعذبوا بشدته بعد طول مدته ولم يتألموا به وإن عظم ، ثم آل أمرهم إلى أن يتلذذوا به ويستعذبوه حتى لو هب عليهم نسيم من الجنة استكرهوا وتعذبوا به كالجعل وتأذيه برائحة الورد لتألفه بنتن الأرواث ، والتناسب الحادث بين طباعه والقاذورات ، فذلك نعيمهم الذي تباين نعيم أهل الجنان والأمر واحد ، أي أمر الالتذاذ والتنعم بينهم وبين أهل الجنان واحد ، واشمئزازهم عن نعيم الجنان كاشمئزاز أهل الجنة عن عذاب النيران ، وبينهما أي بين نعيم أهل الجنة ونعيم أهل النار عند تجلى الحق في صورة الرحمن بون بعيد ، ولهذا ورد في الحديث « سينبت في قعر جهنم الجرجير ولا ينبت الورد والفرفير » فإن نعيم أهل النار من رحمة أرحم الراحمين لحدوثه بعد الغضب والعذاب ، ونعيم أهل الجنة من حضرة الرحمن الرحيم ، والامتنان الجسيم ، فإذا آل العذاب إلى نعيم يسمى عذابا من عذوبة طعمه ، فيكون الأمر بينهم
شرح
نعيمهم ، فلا يزال العذاب الاصطلاحي عنهم أبدا كما هو مذهب أهل السنة ، فإن الشيخ قسم الرحمة إلى رحمة ممتزجة بالعذاب ، وإلى رحمة خالصة من العذاب اه .
اعلم أن الشيخ قدس سره قسم الرحمة إلى رحمة ممتزجة بالعذاب ، وإلى رحمة خالصة من العذاب ثم قال : ( لا تكون هذه الرحمة في الدار الآخرة إلا لأهل الجنان ثم أثبت النعيم المباين لأهل الشقاء ، فالنعيم هو عين الرحمة عنده وعند سائر أهل الله ، فالنعيم منه نعيم خالص مختص بأهل الجنان ، ومنه نعيم ممتزج بالعذاب مختص بأهل جهنم ، وبعض الشارحين حمل كلامه على خلاف مراده ، وقال في شرح هذه المسألة : إن العذاب منقطع مطلقا عن الكفار ، ومن ذلك ظن بعض الناس السوء على الشيخ رضي الله عنه وعلى أهل الله ، وستطلع حقيقة هذا المقام في آخر الفص الهودى إن شاء الله تعالى اه . يعقوب عليه السلام تزوج ليا بنت لايان بن تنويل ابن باخور أخي إبراهيم عليه السلام ، فولدت له روبيل وشمعون ولاوى ويهوذا ، ثم تزوج عليها أختها راحيل