القوى الخياليات مجلي ذلك العالم ومظهره . وانما يسمى بالعالم المثالي لكونه
مشتملا على صور ما في العالم الجسماني ( 3 ) ، ولكونه أول مثال صوري لما في الحضرة
العلمية الإلهية من صور الأعيان والحقايق ، ويسمى أيضا بالخيال المنفصل لكونه
غير مادي تشبيها بالخيال المتصل . فليس معنى من المعاني ولا روح من الأرواح
الا وله صورة مثالية مطابقة بكمالاته ، إذ لكل منها نصيب من الاسم الظاهر .
لذلك ورد في الخبر الصحيح ان النبي ، صلى الله عليه وسلم ( رأى جبرئيل ، عليه
السلام ، في السدرة وله ستمأة جناح ) . وفيه أيضا : ( انه يدخل كل صباح ومساء في
نهر الحياة ثم يخرج فينفض أجنحته فيخلق سبحانه من قطراته ملائكة لا عدد لها ) .
وهذا العالم المثالي يشتمل على العرش والكرسي والسماوات السبع والأرضين
وما في جميعها من الأملاك وغيرها . ومن هذا المقام ينتبه الطالب على كيفية المعراج
النبوي وشهوده ، صلى الله عليه وآله ، آدم في السماء ( 4 ) الأولى ويحيى وعيسى
في الثانية ويوسف في الثالثة وإدريس في الرابعة وهارون في الخامسة وموسى
في السادسة وإبراهيم في السابعة ، صلوات الله عليهم أجمعين ، وعلى الفرق بين
ما شاهده في النوم والقوة الخيالية من العروج إلى السماء ، كما يحصل للمتوسطين
في السلوك ، وبين ما يشاهد في هذا العالم الروحاني . وهذه الصور المحسوسة
ظلال تلك الصور المثالية لذلك يعرف العارف بالفراسة الكشفية من صورة العبد
أحواله ، قال عليه السلام : ( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ) . وقال عليه
السلام في الدجال : ( مكتوب على ناصيته ك ، ف ، ر ) ولا يقرءه الا مؤمن . وقال
تعالى : ( سيماهم في وجوههم من اثر السجود ) في حق أهل الجنة ، وفي حق أهل
النار : ( يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام ) .
والمثالات المقيدة التي هي الخيالات أيضا ليست الا أنموذجا منه وظلا من
ظلاله ، خلقها الله تعالى دليلا على وجود العالم الروحاني ، ولهذا جعلها أرباب
الكشف متصلة بهذا العالم ومستنيرة منه كالجداول والأنهار المتصلة بالبحر
والكوى والشبابيك التي يدخل منها الضوء في البيت . ولكل من الموجودات التي في
عالم الملك مثال مقيد كالخيال في العالم الانساني ، سواء كان فلكا أو كوكبا أو
هامش
( 3 ) - وقد روى : ان في العرش تمثال جميع ما خلق الله . قال النبي ، عليه وآله السلام : ( أطت
السماء وحق لها ان تأطت ، ما فيها موضع قدم الا وفيها ملك راكع أو ساجد ومنهم ركع
لا يسجد وساجد لا يركع ) .
( 4 ) - لعل المراد بالسماء مقاماتهم الكلية المرتفعة المحيطة بالأشياء وحقايقها وبالعروج إليها نيل
تلك المقامات وإرادة الجهات المرتفعة والنشآت المحيطة . والسماء شايعة في كلام أهل
اللسان ، فليتدبر في قوله تعالى : ( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب ) . فإنه أيضا من
جملتها . فافهم . ( غلامعلى )