على لذة فيها ) أي في تلك الدار ( نعيم مبائن )
أي ، لنعيم الجنان . فإن نعيم النفوس الطيبة لا يكون إلا بالطيبات ، ونعيم
النفوس الخبيثة لا يكون إلا بالخبيثات . كالتذاذ الجعل بالقاذورات وتألمه
بالطيبات . قال تعالى : ( الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات
والخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات ) .
( نعيم جنان الخلد فالأمر واحد * وبينهما عند التجلي تباين )
( نعيم ) منصوب على أنه مفعول ( المبائن ) . أي ، مبائن لنعيم جنات الخلد .
قوله : ( فالأمر واحد ) - إلخ إشارة إلى أن التجلي الإلهي على السعداء والأشقياء
في الأصل ليس إلا واحد ، كقوله : ( وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ) . والتعدد
والتباين إنما يقع بحسب القوابل ، وكل منها يأخذ بحسب استعداده وقابليته ،
كماء واحد نزل من السماء فصار في موضع سكرا وفي موضع حنظلا .
( يسمى عذابا من عذوبة طعمه * وذلك له كالقشر والقشر صائن )
أي ، يسمى ذلك النعيم الذي لأهل الشقاء عذابا ، لعذوبة طعمه بالنسبة إليهم .
فإن ( العذاب ) مأخوذ من ( العذب ) في الأصل ، وذاك ، أي لفظ العذاب ، له ،
أي للعذب ، كالقشر ، والقشر صائن للبه من الآفات . فلفظ ( العذاب ) يصون
معناه عن إدراك المحجوبين الغافلين عن حقائق الأشياء . أو يكون ( ذاك ) إشارة
إلى نعيم أهل النار ، أي ، ذلك النعيم كالقشر لنعيم أهل الجنة ، إذ ( الجنة حفت
بالمكاره ) . ألا ترى أن التبن نعيم الحيوان والبر المحفوظ به نعيم الإنسان .
وبعد أن فرعنا من حل تركيبه وبيان معناه ، فلنشرع في تحقيقه ومبناه ، لأنه
من أهم المهمات ، وقليل من يعرف أصول هذه المقامات . فنقول :
اعلم ، أن المقامات الكلية الجامعة لجميع العباد في الآخرة ثلاث - وإن كان كل منها مشتملا على مراتب كثيرة لا تحصى - : وهي الجنة ، والنار ، والأعراف
الذي بينهما . على ما نطق به الكلام الإلهي . ولكل منها اسم حاكم عليه ، يطلب
شرح فصوص الحكم — صفحة 661
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٦٦١