فإذا أريد الإشارة إلى البعيد أتي بالكاف وحدها ، فتقول : " ذاك " أو الكاف
واللام نحو " ذلك " .
وهذه الكاف حرف خطاب ، فلا موضع لها من الاعراب ، وهذا
لا خلاف فيه .
فإن تقدم حرف التنبيه الذي هو " ها " على اسم الإشارة أتيت بالكاف
وحدها ، فتقول " هذاك " ( 1 ) وعليه قوله :
24 - رأيت بني غبراء لا ينكرونني
ولا أهل هذاك الطراف الممدد
.
هامش
( 1 ) إذا كان اسم الإشارة لمثنى أو لجمع فإن ابن مالك يرى أنه لا يجوز أن يؤتى
بالكاف مع حرف التنبيه حينئذ ، وذهب أبو حيان إلى أن ذلك قليل لا ممتنع ، ومما
ورد منه قول العرجي ، وقيل : قائله كامل الثقفي :
يا ما أميلح غزلانا شدن لنا
من هؤليائكن الضال والسمر
الشاهد فيه هنا : قوله " هؤليائكن " فإنه تصغير " أولاء " الذي هو اسم إشارة
إلى الجمع ، وقد اتصلت به " ها " التنبيه في أوله ، وكاف الخطاب في آخره .
24 - هذا البيت لطرفة بن العبد البكري ، من معلقته المشهورة التي
مطلعها :
لخولة أطلال ببرقة ثهمد * تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
وقبل بيت الشاهد قوله :
وما زال تشرابي الخمور ولذتي * وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي
إلى أن تحامتني العشيرة كلها * وأفردت إفراد البعير المعبد
اللغة : " خولة " اسم امرأة " أطلال " جمع طلل ، بزنة جبل وأجبال ، والطلل :
ما شخص وظهر وارتفع من آثار الديار ( كالأثافي ) ؟ " برقة " بضم فسكون - هي كل رابية فيها
رمل وطين أو حجارة ، وفي بلاد العرب نيف ومائة برقة عدها صاحب القاموس ، وألف فيها غير واحد من علماء اللغة ، ومنها برقة ثهمد " تلوح " تظهر " الوشم " أن
يغرز بالإبرة في الجلد ثم يذر عليه الكحل أو دخان الشحم فيبقى سواده ظاهرا " البعير
المعبد " الأجرب " بني غبراء " الغبراء هي الأرض ، سميت بهذا لغبرتها ، وأراد ببني
الغبراء الفقراء الذين لصقوا بالأرض لشدة فقرهم ، أو الأضياف ، أو اللصوص " الطراف "
بكسر الطاء بزنة الكتاب - البيت من الجلد ، وأهل الطراف الممدد : الأغنياء .
المعنى : يريد أن جميع الناس - من غير تفرقة بين فقيرهم وغنيهم - يعرفونه ،
ولا ينكرون محله من الكرم والمواساة للفقراء وحسن العشرة وطيب الصحبة للأغنياء
وكأنه يتألم من صنبع قومه معه .
الاعراب : " رأيت " فعل وفاعل " بني " مفعول به ، وبني مضاف ، و " غبراء "
مضاف إليه ، ثم إذا كانت رأى بصربة فجملة " لا ينكرونني " من الفعل وفاعله
ومفعوله في محل نصب حال من بني غبراء ، وإذا كانت رأى علمية وهو أولى فالجملة
في محل نصب مفعول ثان لرأى " ولا " الواو عاطفة ، ولا : زائدة لتأكيد النفي " أهل "
معطوف على الواو الذي هو ضمير الجماعة في قوله " لا ينكرونني " وأهل مضاف واسم
الإشارة من " هذاك " مضاف إليه ، والكاف حرف خطاب " الطراف " بدل من اسم
الإشارة أو عطف بيان عليه " الممدد " نعت للطراف .
الشاهد فيه : قوله " هذاك " حيث جاء بها التنبيه مع الكاف وحدها ، ولم يجئ
باللام ، ولم يقع لي - مع طويل البحث وكثرة الممارسة - نظير لهذا البيت مما اجتمعت فيه
" ها " التنبيه مع كاف الخطاب بينهما اسم إشارة للمفرد ، ولعل العلماء الذين قرروا
هذه القواعد قد حفظوا من شواهد هذه المسألة ما لم يبلغنا ، أو لعل قداماهم الذين
شافهوا العرب قد سمعوا ممن يوثق بعربيته استعمال مثل ذلك في أحاديثهم في غير شذوذ
ولا ضرورة تحوج إليه ، فلهذا جعلوه قاعدة .