يسئ إليه بكلمة نابية ، أو يعتدي على بعض ما يملك ، أما الإمام فقد ظفر بألد
أعدائه مروان بن الحكم وعمرو بن العاص فعفا عنهما ، وكل واحد منهما أخطر
عليه من جيش بخاصة ابن العاص ، وحال جند معاوية بينه وبين الماء في صفين ،
وقالوا له : لن تذوق الماء حتى تموت عطشا ، فأجلاهم عنه ، وسقاهم منه ،
وأوصى بقاتله ابن ملجم خيرا ، وقال لأهله : اعفوا هو أقرب للتقوى .
أما علمه فقد ملأت أقواله كتب اللغة بشتى فروعها ، وكتب الفلسفة والأخلاق
والفقه بخاصة القضاء ، وهو أول رجل في الإسلام ، وربما في العالم وضع
العلماء كتبا مستقلة في قضائه ، وقوله الفصل والحجة القاطعة في ذلك كله ،
وبكلمة متى ثبت القول عن علي فلا يسأل عن قول سواه ، لأنه ينطق بلسان
الرسول الأعظم الذي لا ينطق عن الهوى . وأجمع وأروع كلمة قيلت في وصف
الإمام هي كلمة صاحبه ضرار ، حيث قال له معاوية : صف لي عليا ، فقال :
كان بعيد المدى شديد القوى ، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجر العلم
من جوانبه ، وتنطق الحكمة من لسانه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ،
ويستأنس بالليل ووحدته ، كان والله عزيز الدمعة ، طويل الفكرة ، يقلب كفيه ،
ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما خشن ، كان فينا
كأحدنا ، يجيبنا إذا سألناه ، ويبتدئنا إذا أتيناه ، ونحن والله مع تقريبه لنا ،
ودنوه منا لا نكلمه لهيبته ، ولا نبتدئه لعظمته ، وإن تبسم فعن اللؤلؤ المنظوم ،
لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله ، فأشهد بالله لقد رأيته
في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه قابضا على لحيته ،
يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، فكأني الآن أسمعه ، وهو يقول :
يا دنيا إلي تعرضت ، أم إلي تشوقت : هيهات هيهات غري غيري ، لا حين
حينك ، فقد طلقتك ثلاثا ، لا رجعة لي فيك ، فعمرك قصير ، وعيشك حقير ،
وخطبك كبير ، آه من قلة الزاد ، وبعد السفر ، ووحشة الطريق ( 1 ) .
وبالتالي فلا أريد مما قدمت أن أمهد لذكر فضائل الإمام ومناقبه ، وإنما
غرضي الوحيد أن أبين أن الولاء للإمام هو ولاء للإنسانية والحق والعدالة ، ولا
هامش
( 1 ) - كتاب حديقة الأفراح ، لأحمد الشرواني ص 43 طبعة سنة 1298 هجرية .