وفي ذكره نفس الأوثان دون عبادتها والتوجه إليها والتقرب بها مع أن الاجتناب إنما يتعلق - على الحقيقة - بالأعمال دون الأعيان لأجل المبالغة من اجتناب عبادتها والإخلاص بالعبادة لله وحده لا شريك له وهذا مما يدل دلالة واضحة على أن ( من ) ههنا بيانية جنسية لا تبعيضية ، كما أن من المعلوم أن الله لا يأمر باجتناب بعض الأوثان - أي عبادتها - دون بعضها الآخر بل يأمر باجتناب كافة الأوثان بكل أنواعها ، ثم قال : ( وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ( وهو قول الباطل بكل أنواعه .
ومن الأمثلة القرآنية أيضاً ل ( من ) الجنسية قوله تعالى : ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ( [ البقرة / 186 ] فإن لفظة ( من ) ههنا أيضاً جنسية بيانية تبين لنا أن القرآن كله بينات من جنس الهدى والفرقان ، لا أن القرآن بعضه فيه بينات من الهدى وبعضه لا بينات فيه ولا هدى بل كله بينات للهدى والفرقان الذي يفرق فيه بين الحق والباطل ، وهكذا قوله تعالى في الآية المبحوث عنها ( وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ( فمن هنا جنسية بيانية تبين لنا أن القرآن كله شفاء وجميعه رحمة للمؤمنين لا أن بعضه يكون شفاء ورحمة وبعضه لا يكون .
آيتان أُخريان تذكران أن في القرآن الشفاء
وهناك آيتان أخريان تذكران أن القرآن قد جعله الله شفاء ، فالأولى في سورة فصلت وهي صريحة في أن القرآن هدىً وشفاء للمؤمنين وهي قوله تعالى : ( وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ
الشفاء الروحي — صفحة 27
مساهمون: عبد اللطيف البغدادي
ص٢٧