الامام المشهور فإننا لا نرضى أن نحكم بالسبق للبندنيجي المغمور الذي لم يؤلف معجما لغويا
وإنما ألف كتابا في التقفية .
والمحاكاة في عمل الجوهري لعمل البندنيجي غير واردة ، ولم يدعها أحد ، ولا يمكن أن
يدعيها ، فالجوهري لم يطلع هو ومعاصروه من مؤلفي المعجمات على كتاب البندنيجي ، لأنهما
مغموران كما قرر الجاسر نفسه ، ومع هذا ادعى الدعوى الباطلة المردودة .
فالامام الجوهري مبتكر منهجه ابتكارا ، وقد انتهى إليه ابتداء وإن ظهر في هذا
العصر على يد الجاسر أن " كتاب التقفية " تقدم معجم الصحاح بزمن غير يسير .
ونحن - ومعنا الحق والعلم والتاريخ والواقع - نؤكد أن الجوهري قد انتهى إلى منهجه
دون أن يكون بين يديه مثال سبقه فتأساه ، وإنما انتهى إليه بعد دراسة واعية شاملة
لمناهج رواد المعجمات العربية الذين سبقوه ، فهو قد رأى وعورة منهج الخليل فلم يأخذ به ،
كما لم يأخذ بمنهج أبي عبيد القاسم بن سلام الذي بنى معجمه " الغريب المصنف " على
المعاني والموضوعات ، ولم يأخذ بمنهج أبي عمرو بن العلاء الذي أسس معجمه المسمى
" كتاب الجيم " على أوائل الكلمات متخذا ترتيب حروف الهجاء ، مبتدئا بالهمزة منتهيا
بالياء ، وسبب انصرافه عن منهج أبي عمرو أن الجوهري رأى فاء الكلمة غير ثابتة في
موضعها ، وكذلك الحرف الذي يليها وهو العين ، فاتخذ منهجا جديدا يخالف ما عرف من
مناهج المعجمات ، وخرج عليهم بمنهج غير معروف ، وأشار الجوهري نفسه إلى منهجه في
مقدمة الصحاح قائلا : " على ترتيب لم أسبق إليه ، وتهذيب لم أغلب عليه " .
والجوهري صدوق ، وقوله هذا حق كله ، فهو لم ينهج نهج الفارابي في كتابه " ديوان
الأدب " مع أن منهجيهما يلتقيان في بعض النقاط .
وكلمة الجوهري : " على ترتيب لم أسبق إليه " تدل على أنه لم يطلع على كتاب التقفية
للبندنيجي المغمور هو وكتابه ، وما دام الجوهري الإمام الحجة الثبت الصدوق يقول : إن
ترتيبه لم يسبق إليه فالقول قوله ، لان الحق معه ، ولا يلتفت إلى قول الجاسر الذي لا يعرف
الفارق بين المعجم وغيره .
ومن آيات صدقه أن منهج الجوهري يختلف عن منهج البندنيجي اختلافا واضحا
مشهودا في تأسيس كل منهما كتابه بحيث لا تخطئه عين عالم ، وسبب كل منهما في التأليف
غير سبب الآخر ، فالبندنيجي أراد من تأليفه تيسير القافية على راغبيها من الشعراء ،
وهو مطلب خاص بفئة من الناس هي ندرة نادرة فيهم ، وليس الشاعر الفحل المطبوع
بحاجة إليه .
ولهذا نجد البندنيجي حشد المادة في بابها دون مراعاة الترتيب المعجمي السليم ، فهو
الصحاح — صفحة 3
مساهمون: الجوهري
ص٣