قال : " ورؤيته موسى مصليا في قبره في القلب منه حسيكة هل قاله ؟ ولذلك
أعرض البخاري عنه عمدا والدارقطني أعله ورأى أنه موقوف على أنس لكن تقلد
مسلما ، لكن هذا ليس مختصا به روى ابن حبان صلاة العصر في قبر الذي مات مؤمنا
فتمثل الشمس التي قد كان يرعاها لأجل الصلاة عند الغروب يخاف فوت صلاته
فيقول للملكين تدعاني حتى أصلي العصر قالا ستفعل ذلك بعد الآن ، هذا مع الموت
المحقق لا الذي حكيت لنا بثبوته القولان .
وثابت البناني دعا أن لا يزال مصليا في قبره وحديث ذكر حياتهم بقبورهم لما
يصح ، وظاهر النكران ونحن نقول إنهم أحياء عند ربهم كالشهيد " . يعني وننكر
حياتهم في قبورهم .
قال : " هذى نهايات لأقدام الورى في ذا المقام الضنك والحق فيه ليس تحمله
عقول بني الزمان لغلظة الأذهان ولجهلهم بالروح هل في عقولهم أن الروح في أعلى
الرفيق مقيمة بجنان . وترد أوقات السلام عليه وأجواف الطير الخضر مسكنها لدى
الجنات ، من ليس يحمل عقله هذا فاعذره على النكران للروح شأن غير ذي الأكوان ،
وهو الذي حار الورى فيه فلم يعرفه غير الفرد في الأزمان ، هذا وأمر فوق ذا لو قلته
بادرت بالإنكار والعدوان فلذاك أمسكت العنان ولو أرى ذاك الرفيق جريت في
الميدان ، وقولي إنها مخلوقة وليست كما قال أهل الإفك لا داخلة فينا ولا خارجة عنا
والله - لا الرحمن أثبتم ولا أرواحكم ، عطلتم الأبدان من أرواحها والعرش
عطلتم من الرحمن .
استشكال معرفة الروح صحيح لكنه ما أظنه يفهمه وإنما قاله تقليدا ، وإنكاره
حياة الأنبياء ليس لي عليه حامل صحيح ( 1 ) .
هامش
حياة الأنبياء
( 1 ) وعن أنس مرفوعا ( الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون ) رواه أبو يعلى
الموصلي والبزار قال الهيثمي ورجال أبي يعلى ثقات . والحياة البرزخية الثابتة
للأنبياء فوق الحياة الثابتة للشهداء ويغنينا عن الكلام في حياة الأنبياء جزء
البيهقي المطبوع ، نعم انقطعت حاجتهم إلى الأكل والشرب من ماكل هذه
الدار ومشاربها ، ولذلك صح وصفهم بالموت " إنك ميت وإنهم ميتون " ( الزمر :
30 ) وحامل الناظم على إنكار حياتهم البرزخية هو التذرع بذلك إلى تحريم
التوسل بهم عن هوى وفي دفع الشبه للتقي الحصني ووفاء الوفاء للنور
السمهودي وغيرهما أحاديث وآثار كثيرة في الندب إليه ، وليس هذا موضع سرد
لتلك الأحاديث وله موضع آخر وفي المطالب العالية للرازي وفي شرح المقاصد
للتفتازاني وفيما علقه الشريف الجرجاني على شرح المطالع ما يسكن إليه
صدور المقتدين بأئمة أصول الدين من البيان في هذه المسألة ، وكنت بسطت
المسألة قبل سنين متطاولة في ( إرغام المريد ) الذي كنت ألفته سنة 1320 ولا
بأس في أن أورد هنا بعض ما كنت نقلته فيه ، مما قاله الفخر الرازي والسعد
التفتازاني ، والشريف الجرجاني في هذا الصدد فإنهم أئمة في أصول الدين
يميزون بين الحق والباطل والتوحيد والإشراك حق التمييز ، ولا يرميهم أحد من
أهل الحق بنزعة تخالف مذهب أهل الحق في هذه المسألة ومن الغريب رمى أهل
التجسيم لأهل الحق بالإشراك بوسيلة التوسل وفيما ننقله عن أئمة أصول الدين
في هذا الصدد قمع من يرمى أهل الحق بدائه وهم من أبعد الناس عن الإشراك
بخلاف من يقول بالجهة والتحيز وسائر لوازم الجسمية تعالى الله عن ذلك .
نصوص من المطالب العالية للفخر الرازي
قال الإمام فخر الدين الرازي بعد بسط مقدمات في الفصل الثامن عشر من
كتابه المطالب العالية وهو من أمتع مؤلفاته في علم أصول الدين : " وإذا
عرفت هذه المقدمات فنقول إن الإنسان إذا ذهب إلى قبر إنسان قوي النفس كامل
الجوهر شديد التأثير ووقف هناك ساعة وتأثرت نفسه من تلك التربة حصل
لنفس الزائر تعلق بتلك التربة وقد عرفت أن لنفس الميت تعلقا بتلك التربة أيضا
فحينئذ يحصل لنفس هذا الزائر الحي ولنفس ذلك الإنسان الميت ملاقاة بسبب
اجتماعهما على تلك التربة فصارت هاتان النفسان شبيهتين بمرآتين صقيلتين
وضعتا بحيث ينعكس الشعاع من واحدة منهما إلى الأخرى فكل ما حصل في
نفس هذا الزائر الحي من المعارف البرهانية والعلوم الكسبية والأخلاق الفاضلة
من الخضوع لله تعالى والرضى بقضاء الله ، ينعكس منه نور إلى روح ذلك
الإنسان الميت وكل ما حصل في نفس ذلك الإنسان الميت من العلوم المشرفة
والآثار العلوية الكاملة فإنه ينعكس منه نور إلى روح هذا الزائر الحي ،
وبهذا الطريق تصير تلك الزيارة سببا لحصول المنفعة الكبرى والبهجة العظمى
لروح الزائر ولروح المزور ، فهذا هو السبب الأصلي في مشروعية الزيارة ،
ولا يبعد أن يحصل فيها أسرار أخرى أدق وأحق مما ذكرناه ، وتمام العلم
بالحقائق ليس إلا عند الله ا ه " .
وأما بقاء النفس مدركة لبعض الجزئيات فقد بينها الرازي في الفصل
الخامس عشر من الكتاب المذكور وقال الرازي أيضا في تفسيره : " إن الأرواح
البشرية الخالية عن العلائق الجسمانية ، المشتاقة إلى الاتصال بالعالم
العلوي ، بعد خروجها من ظلمة الأجساد تذهب إلى عالم الملائكة ومنازل
القدس ، ويظهر منها آثار في أحوال هذا العالم فهي المدبرات أمرا ، أليس
الإنسان قد يرى أستاذه في المنام ويسأله عن مشكلة فيرشده إليها ا ه " .
وقال العلامة سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد عند إثبات إدراك
بعض الجزئيات للميت ردا على الفلاسفة : " لما كان إدراك الجزئيات مشروطا
عند الفلاسفة بحصول الصورة في الآلات فعند مفارقة النفس وبطلان الآلات لا
تبقى مدركة له لجزئيات ضرورة انتفاء المشروط بانتفاء الشرط وعندنا لما لم تكن
الآلات شرطا في إدراك الجزئيات إما لأنه ليس بحصول الصورة لا في النفس
ولا في الحس وإما لأنه لما يمتنع ارتسام صورة الجزئي في النفس بل الظاهر من
قواعد الإسلام أنه يكون للنفس بعد الفارقة إدراكات متجددة جزئية واطلاع
على بعض جزئيات أحوال الأحياء ، ولا سيما الذين كان بينهم وبين الميت
تعارف في الدنيا ، ولهذا ينتفع بزيارة القبور والاستغاثة بنفوس الأخيار من
الأموات في استنزال الخيرات واستدفاع الملمات ، فإن للنفس بعد المفارقة تعلقا
بالبدن وبالتربة التي دفنت فيها ، فإذا زار الحي تلك التربة وتوجهت تلقاء نفس
الميت حصل بين النفسين ملاقاة وإفاضات ا ه " .
وقال العلامة الشريف الجرجاني في أوائل حاشية شرح المطالع معلقا على
ما ذكره شارح المطالع في صدد بيان الحكمة في التوسل والصلاة على النبي
وآله صلى الله عليه وآله وسلم : " فإن قيل هذا التوسل إنما يتصور إذا كانوا
متعلقين بالأبدان وأما إذا تجردوا عنها فلا إذ لا جهة مقتضية للمناسبة ، قلنا
يكفيه أنهم كانوا متعلقين بها متوجهين إلى تكميل النفوس الناقصة بهمة
عالية فإن أثر ذلك بأن فيهم ولذلك كانت زيارة مراقدهم معدة لفيضان أنوار
كثيرة منهم على الزائرين كما يشاهده أصحاب البصائر ا ه " . ورأيت بخط
الحافظ الضياء المقدسي الحنبلي في كتابه - الحكايات المنثورة - المحفوظ تحت
رقم 98 من المجاميع بظاهرية دمشق أنه سمع الحافظ عبد الغني القدسي
الحنبلي يقول إنه خرج في عضده شئ يشبه الدمل فأعيته مداراته ، ثم
مسح به قبر أحمد بن حنبل فبرئ ولم يعد إليه ، وفي تاريخ الخطيب
( 1 - 123 ) بسنده إلى الشافعي رض الله عنه أنه قال : " إني لأتبرك بأبي
حنيفة وأجيئ إلى قبره كل يوم - يعني زائرا - فإذا عرضت لي حاجة
صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده فما تبعد
عني حتى تقضى ا ه " .
فمن الذي يستطيع أن يعد هؤلاء قبوريين يتعبدون الضرائح ؟ ! .