أقول : قال في المجمع : قال بعض الأعلام : الفقه هو التوصل إلى علم غائب
بعلم شاهد ، ويسمى العلم بالأحكام فقها ، والفقيه الذي علم ذلك واهتدى به إلى
استنباط ما خفي عليه . إنتهى .
وفي الحديث : من حفظ على أمتي أربعين حديثا بعثه الله فقيها عالما . قال
بعض الشارحين : ليس المراد به الفقه بمعنى الفهم ، فإنه لا يناسب المقام ، ولا العلم
بالأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية ، فإنه مستحدث ، بل المراد البصيرة في أمر
الدين . والفقيه أكثر ما يأتي في الحديث بهذا المعنى ، فالفقيه هو صاحب البصيرة
وإليها أشار ( عليه السلام ) بقوله : لا يفقه العبد كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله ،
وحتى يرى للقرآن وجوها كثيرة ، ثم يقبل على نفسه فيكون لها أشد مقتا .
ثم قال : هذه البصيرة إما موهبية - وهي التي دعا بها النبي ( صلى الله عليه وآله ) لأمير
المؤمنين ( عليه السلام ) حين أرسله إلى اليمن حيث قال : اللهم فقهه في الدين - أو كسبية ،
وهي التي أشار إليها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حيث قال لولده الحسن ( عليه السلام ) : وتفقه يا بني
في الدين . إنتهى كلامه .
ولا يخفى أن ما أراده من معنى الفقه لا يخلو من غموض . ولعل المراد منه
علم الشريعة كما نبه عليه الجوهري ، فيكون المعنى في من حفظ على أمتي أربعين
حديثا فيما يحتاجون إليه في أمر دينهم ، وإن لم يكن فقيها عالما بعثه الله يوم
القيامة فقيها عالما داخلا في زمرة الفقهاء ، وثوابه كثوابهم بمجرد حفظ تلك
الأحاديث ، وإن لم يتفقه في معانيها .
قال ابن الجوزي في نقد العلماء في تلبيس إبليس على الفقهاء : كان الفقهاء
في قديم الزمان هم أهل القرآن والحديث فما زال الأمر يتناقص حتى قال
المتأخرون : يكفينا أن نعرف آيات الأحكام من القرآن ، وأن نعتمد على الكتب
المشهورة في الحديث كسنن أبي داود ونحوها ، ثم أهونوا بهذا الأمر أيضا وصار
أحدهم يحتج بآية لا يعرف معناها وبحديث لا يدري أصحيح هو أم لا ، وربما
اعتمد على قياس يعارضه حديث صحيح ولا يعلم لقلة التفاته إلى معرفة النقل ،
مستدرك سفينة البحار — صفحة 287
مساهمون: الشيخ علي النمازي الشاهرودي
ص٢٨٧