فإنك قد غطّيت أرجاء هوّةٍ * معمّسةٍ لا يستبان ترابها
بثوبك في الظّلماء ، ثم دعوتني * فجئت إليها سادراً لا أهابها
أنشده ابن الأنباري في خبر لزرارة بن عدس .
حول شعر كعب وذكر شعر كعب وفيه : سحّاً كما وكف الطّباب المخضل الطباب : جمع طبابة ، وهي سير بين خرزتين في المزادة ، فإذا كان غير محكم وكف منه الماء ، والطباب أيضاً : جمع طبة ، وهي شقة مستطيلةً .
وقوله : طوراً أخن . الخنين بالخاء المنقوطة حنين ببكاء ، فإذا كان بالحاء المهملة ، فليس معه بكاءً ولا دمع .
الاستقاء للقبور عند العرب وقوله : وسقى عظامهم الغمام المسبل يرد قول من قال : إنما استسقت العرب لقبور أحبتها لتخصب أرضها فلا يحتاجون إلى الانتقال عنها لمطلب النجعة في البلاد . وقال قاسم بن ثابت في الدلائل : فهذا كعب يستسقي لعظام الشهداء بمؤتة ، وليس معهم ، وكذلك قول الآخر :
سقى مطغيات المحل جوداً وديمةً * عظام ابن ليلى حيث كان رميمها
فقوله : حيث كان رميمها يدل على أنه ليس مقيماً معه ، وإنما استسقاؤهم لأهل القبور استرحام لهم ، لأن السقي رحمة وضدها عذاب .
وقوله : كأنهم فتق ، جمع فنيق ، وهو الفحل ، كما قال الآخر ، وهو طخيم :
معي كل فضفاض الرّداء كأنه * إذا ما سرّت فيه المدام فنيق
وقوله :
فتغيّر القمر المنير لفقده * والشمس قد كسفت وكادت تأفل
قوله : حق ، لأنه إن كان عنى بالقمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعله ثمراً ، ثم جعله شمساً ، فقد كان تغير بالحزن لفقد جعفر ، وإن كان أراد القمر نفسه ، فمعنى الكلام ومغزاه حق أيضاً ، لأن المفهوم منه تعظيم الحزن والمصاب ، وإذا فهم مغزى الشاعر في كلامه ، والمبالغ في الشيء فليس يكذب ، ألا ترى إلى قوله عليه السلام : أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه ، أراد به المبالغة في شدة أدبه لأهله ، فكلامه كله حق صلى الله عليه وسلم وكذلك قالوا
في مثل قول الشاعر طفيل الغنوي :
إذا ما غضبنا غضبة مضريّةً * هتكنا حجاب الشّمس ، أو قطرت دماً
قال : إنما أراد فعلنا فعلةً شنيعةً عظيمة ، فضرب المثل بهتك حجاب الشمس ، وفهم مقصده ، فلم يكن كذباً ، وإنما الكذب أن يقول : فعلنا ، وهم لم يفعلوا ، وقتلنا وهم لم يقتلوا .
من شعر حسان في رثاء جعفر وذكر أبيات حسان ، وفي بعضها تضمين ، نحو قوله : وأذلها ، ثم قال في أول بيت آخر : للحق ، وكذلك قال في بيت آخر : وأقلها ، وقال في الذي بعده : فحشاً ، وهذا يسمى التضمين .
وذكر قدامة في كتاب نقد الشعر أنه عيب عند الشعراء ، ولعمري إن فيه مقالاً ، لأن آخر البيت يوقف عليه ، فيوهم الذم في مثل قوله : وأذلها ، وكذلك ، وأقلها ، وقد غلب الزبرقان على المخبل السعدي ، واسمه : كعب بكلمة قالها المخبل أشعر منه ، ولكنه لما قال يهجوه :
وأبوك بدر كان ينتهز الخصي * وأبي الجواد ربيعة بن قتال
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر ) — صفحة 83
مساهمون: عبد الرحمن السهيلي
ص٨٣