ولم يعلم ذلك من هذا البيت ونحوه ولا من قوله :
إذا سقط السّماء بأرض قومٍ * رعيناه وغن كانوا غضابا
لأنه يحتمل أن يريد مطر السماء ، فحذف المضاف ، ولكن إنما عرفناه من قولهم في جمعه : سمي وهم يقولون في جمع السماء : سماوات وأسميةً ، فعلمنا أنه اسم مشترك بين شيئين .
وقوله : ولكن من لطيف . الطيف : مصدر طاف الخيال يطيف طيفاً ، ولكن لا يقال للخيال : هو طائف على وزن اسم الفاعل من طاف ، لأنه لا حقيقة للخيال ، فيرجع الأمر إلى أنه هو الطيف ، وهو توهم وتخيل ، فإن كل شيء له حقيقة قلت فيه : طائف ، وفي مصدره : طيف كما في التنزيل « طائِفٌ من الشَّيْطَانِ » الأعراف وقد قرئ أيضاً طيف من الشيطان ، لأن غرور الشيطان وأمانيه تشبه بالخيال ، وما لا حقيقة له . وأما قوله : « فَطَافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّك » القلم فليس فيه إلا اسم الفاعل دون المصدر ، لأن الذي طاف عليها له حقيقة ، وهو فاعل معروف بالفعل ، يقال : إنه جبريل عليه السلام ، فتحصل من هذا ثلاث مراتب : الخيال ولا حقيقة له ، فلا يعبر عنه إلا بالطيف ، وحديث الشيطان ووسوسته ، يقال فيه : طائف وطيف ، وكل طائف سوى هذين فهو اسم فاعل ، لا يعبر عنه بطيف ، ولا بطواف فقف على هذه النكتة فيه .
وقوله : يؤرقني إذا ذهب العشاء ، أي : يسهرني ، فيقال : كيف يسهره الطيف ، والطيف حلم في المنام ؟ .
فالجواب : أن الذي يؤرقه لوعة يجدها عند زواله كما قال حبيب بن أوس أبو تمام الطائي :
ظبيٌ تقنّصته لما نصبت له * من آخر الّليل أشراكاً من الحلم
ثم انثنى ، وبنا من ذكره سقمٌ * باقٍ ، وإن كان معسولاً من السّقم
وقد أحسن في قوله من آخر الليل تنبيهاً على أنه سهر ليله كله ، إلا ساعة جاء الخيال من آخره ، فكأنه مسترق من قول حسان :
* وخيال إذا تقوم النّجوم *
ونظير قوله : يؤرقني ، أي : يؤرقني بزواله عني قول البحتري :
ألمّت بنا بعد الهدوّ فسامحت * بوصلٍ متى تطلبه في الجدّ تمنع
وولّت كأن البين يخلج شخصها * أوان تولّت من حشائي وأضلعي
وقوله : لشعثاء التي قد تيّمته شعثاء التي يشبب بها حسان هي بنت سلام بن مشكم اليهودي ، وروي أنه قال : يا معشر يهود قد علمتم أن محمداً نبي ، ولولا أن تعير بها شعثاء ابنتي لتبعته ، وقد كانت تحت حسان أيضاً امرأة اسمها شعثاء بنت كاهن الأسلمية ، ولدت له أم فراس .
وقوله : كأنّ خبيئةً من بيت رأسٍ إلى آخره ، خير كأن في هذا البيت محذوف ، تقديره : كأن في فيها خبيئةً ، ومثل هذا المحذوف في النكرات حسن كقوله :
* إنّ محلاًّ وإنّ مرتحلاً *
أي : إن لنا محلاً ، وكقول الآخر : ولكنّ زنجيّاً طويلاً مشافره وفي صحيح البخاري في صفة الدجال : أعور كأن عنبةً طافية ، أي : كأن في عينه ، وزعم بعضهم أن بعد هذا البيت بيتاً فيه الخبر وهو :
على أنيابها أو طعم غضّ * من التّفّاح هصّره اجتناء
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر ) — صفحة 117
مساهمون: عبد الرحمن السهيلي
ص١١٧