وذكر قول امرأة كعب : والله إني لأعرف في صوته الشر ، وفي كتاب البخاري : إني لأسمع صوتاً يقطر منه الدم .
وفيه : ما رأيت عطراً كاليوم ، معناه : عند سيبويه : ما رأيت كعطر أراه اليوم عطراً : كذلك قال في قول العرب : لم أر كاليوم رجلاً ، أي : كرجل أراه اليوم رجلاً ، فحذف ما دخلت عليه الكاف ، وحذف الفعل ، وهو أرى ، وفاعله ومفعوله ، وهذا حذف كثير لا سيما ، وقد يقال : ما رأيت كاليوم ، ولا تذكر بعده شيئاً إذا تعجبت ، فدل على أنهم لم يحذفوا هذا الحذف الكثير ، ولكنهم أوقعوا التعجب على اليوم ، لأن الأيام تأتي بالأعاجيب ، والعرب تذمها وتمدحها في نظمها ونثرها ، ويعلم المخاطب أن اليوم لم يذم لنفسه ولا يعجب منه لنفسه ، فيلتمس منك البيان والتفسير لما تعجبت منه ، فتأتي بالتمييز لتبيين . فعطراً منصوب على التمييز ، والدليل على ذلك أنه يحسن خفضه بمن ، لأنه متعجب منه ، فتقول : لم أر كاليوم من رجل .
ووقع في رواية إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق بعد قوله : فمشوا ساعةً ، قال فجعل كعب ينشد :
ربّ خالٍ لي لو أبصرته * سبط المشية أباء أنف
ليّن الجانب في أقربه * وعلى الأعداء كالسّمّ الذعف
وكرام لو يشنهم حسبٌ * أهل عزٍّ وحفاظٍ وشرف
يبذلون المال فيما نابهم * لحقوقٍ تعتريهم وعرف
وليوث حين يشتدّ الوغى * غير أنكاسٍ ولا ميلٍ كشف
فهم أهل سماح وقرى * وحفاظٍ لم يعانوا بصلف
سكنوا من يثرب كلّ ربىً * وسهولٍ حيث حلّوا في أُنف
وهم أهل مشاريب بها * وحصون ونخيلٍ وغرف
ولها بئرٌ رواءٌ جمّةٌ * من يردها بإناءٍ يغترف
ونخيل في تلاعٍ جمّة * تخرج التّمر كأمثال الأكفّ
وصرير من محالٍ خلته * آخر الليل مهاريج ندف
تدلج الجون على أكتافها * بدلاءٍ ذات أركان صدف
كلّ حاجاتي قد قضّيتها * غير حاجاتي في بطن الجرف
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر ) — صفحة 146
مساهمون: عبد الرحمن السهيلي
ص١٤٦