ثم قال : * ( والله عزيز ذو انتقام ) * .
والعزيز الغالب الذي لا يغلب والانتقام العقوبة ، يقال انتقم منه انتقاماً أي عاقبه ، وقال الليث يقال : لم أرض عنه حتى نقمت منه وانتقمت إذا كافأه عقوب بما صنع ، والعزيز أشار إلى القدرة التامة على العقاب ، وذو الانتقام إشارة إلى كونه فاعلاً للعقاب ، فالأول : صفة الذات ، والثاني : صفة الفعل ، والله أعلم .
قوله تعالى
* ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِي الاَْرْضِ وَلاَ فِى السَّمَآءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الاَْرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) * .
إعلم أن هذا الكلام يحتمل وجهين :
الاحتمال الأول : أنه تعالى لما ذكر أنه قيوم ، والقيوم هو القائم بإصلاح مصالح الخلق ومهماتهم ، وكونه كذلك لا يتم إلا بمجموع أمرين أحدهما : أن يكون عالماً بحاجاتهم على جميع وجوه الكمية والكيفية والثاني : أن يكون بحيث متى علم جهات حاجاتهم قدر على دفعها ، والأول : لا يتم إلا إذا كان عالماً بجميع المعلومات ، والثاني : لا يتم إلا إذا كان قادراً على جميع الممكنات ، فقوله * ( إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ) * إشارة إلى كمال علمه المتعلق بجميع المعلومات ، فحينئذ يكون عالماً لا محالة مقادير الحاجات ومراتب الضرورات ، لا يشغله سؤال عن سؤال ، ولا يشتبه الأمر عليه بسبب كثرة أسئلة السائلين ثم قوله * ( هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ) * إشارة إلى كونه تعالى قادراً على جميع الممكنات ، وحينئذ يكون قادراً على تحصيل مصالح جميع الخلق ومنافعهم ، وعند حصول هذين الأمرين يظهر كونه قائماً بالقسط قيوماً بجميع الممكنات والكائنات ، ثم فيه لطيفة أخرى ، وهي أن قوله * ( إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ) * كما ذكرناه إشارة إلى كمال علمه سبحانه ، والطريق إلى إثبات كونه تعالى عالماً لا يجوز أن يكون هو السمع ، لأن معرفة صحة السمع موقوفة على العلم بكونه تعالى
تفسير الرازي — صفحة 174
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٧٤