قوله تعالى
* ( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) * .
فيه قولان الأول : أن هذا خطاب للذين أحيوا ، قال الضحاك : أحياهم ثم أمرهم بأن يذهبوا إلى الجهاد لأنه تعالى إنما أماتهم بسبب أن كرهوا الجهاد .
واعلم أن القول لا يتم إلا بإضمار محذوف تقديره : وقيل لهم قاتلوا .
والقول الثاني : وهو اختيار جمهور المحققين : أن هذا استئناف خطاب للحاضرين ، يتضمن الأمر بالجهاد إلا أنه سبحانه بلطفه ورحمته قدم على الأمر بالقتال ذكر الذين خرجوا من ديارهم لئلا ينكص عن أمر الله بحب الحياة بسبب خوف الموت ، وليعلم كل أحد أنه يترك القتال لا يثق بالسلامة من الموت ، كما قال في قوله : * ( قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذاً لا تمتعون إلا قليلاً ) * ( الأحزاب : 16 ) فشجعهم على القتال الذي به وعد إحدى الحسنيين ، إما في العاجل الظهور على العدو ، أو في الآجل الفوز بالخلود في النعيم ، والوصول إلى ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين .
أما قوله تعالى : * ( في سبيل الله ) * فالسبيل هو الطريق ، وسميت العبادات سبيلاً إلى الله تعالى من حيث أن الإنسان يسلكها ، ويتوصل إلى الله تعالى بها ، ومعلوم أن الجهاد تقوية للدين ، فكان طاعة ، فلا جرم كان المجاهد مقاتلاً في سبيل الله ثم قال : * ( واعلموا أن الله سميع عليم ) * أي هو يسمع كلامكم في ترغيب الغير في الجهاد ، وفي تنفير الغير عنه ، وعليم بما في صدوركم من البواعث والأغراض وأن ذلك الجهاد لغرض الدين أو لعاجل الدنيا .
قوله تعالى
* ( مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) * .
في الآية مسائل :
المسألة الأولى : أنه تعالى لما أمر بالقتال في سبيل الله ثم أردفه بقوله : * ( من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ) * اختلف المفسرون فيه على قولين * ( الأول ) * أن هذه الآية متعلقة بما
تفسير الرازي — صفحة 177
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٧٧