تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
فالشجة والجراحة التي لا قود فيها داخلة تحت الآية لأن الجارح لا يأمن أن تؤدى جراحته إلى زهوق النفس فيلزم القود ، فخوف القصاص حاصل في النفس . الوجه الثالث : أن المراد من القصاص إيجاب التسوية فيكون المراد أن في إيجاب التسوية حياة لغير القاتل ، لأنه لا يقتل غير القاتل بخلاف ما يفعله أهل الجاهلية وهو قول السدي . والوجه الرابع : قرأ أبو الجوزاء * ( ولكم في القصاص حياة ) * أي فيما قص عليكم من حكم القتل والقصاص وقيل : * ( القصاص ) * القرآن ، أي لكم في القرآن حياة للقلوب كقوله : * ( روحاً من أمرنا ويحيى من حي عن بينة ) * والله أعلم . المسألة الثانية : اتفق علماء البيان على أن هذه الآية في الإيجاز مع جمع المعاني باللغة بالغة إلى أعلى الدرجات ، وذلك لأن العرب عبروا عن هذا المعنى بألفاظ كثير ، كقولهم : قتل البعض إحياء للجميع ، وقول آخرين : أكثروا القتل ليقل القتل ، وأجود الألفاظ المنقولة عنهم في هذا الباب قولهم : القتل أنفى للقتل ، ثم إن لفظ القرآن أفصح من هذا ، وبيان التفاوت من وجوه : أحدها : أن قوله : * ( ولكم في القصاص حياة ) * أخصر من الكل ، لأن قوله : * ( ولكم ) * لا يدخل في هذا الباب ، إذ لا بد في الجميع من تقدير ذلك ، لأن قول القائل : قتل البعض إحياء للجميع لا بد فيه من تقدير مثله ، وكذلك في قولهم : القتل أنفى للقتل فإذا تأملت علمت أن قوله : * ( في القصاص حياة ) * أشد اختصاراً من قولهم : القتل أنفى للقتل وثانيها : أن قولهم : القتل أنفى للقتل ظاهرة يقتضي كون الشيء سبباً لانتفاء نفسه وهو محال ، وقوله : * ( في القصاص حياة ) * ليس كذلك ، لأن المذكور هو نوع من القتل وهو القصاص ، ثم ما جعله سبباً لمطلق الحياة لأنه ذكر الحياة منكرة ، بل جعله سبباً لنوع من أنواع الحياة وثالثها : أن قولهم القتل أنفى للقتل ، فيه تكرار للفظ القتل وليس قوله : * ( في القصاص حياة ) * كذلك ورابعها : أن قول القائل : القتل أنفى للقتل . لا يفيد إلا الردع عن القتل ، وقوله : * ( في القصاص حياة ) * يفيد الردع عن القتل وعن الجرح وغيرهما فهو أجمع للفوائد وخامسها : أن نفي القتل مطلوب تبعاً من حيث إنه يتضمن حصول الحياة ، وأما الآية فإنها دالة على حصول الحياة وهو مقصود أصلي ، فكان هذا أولى وسادسها : أن القتل ظلماً قتل ، مع أنه لا يكون نافياً للقتل بل هو سبب لزيادة القتل ، إنما النافي لوقوع القتل هو القتل المخصوص وهو القصاص ، فظاهر قولهم باطل ، أما الآية فهي صحيحة ظاهراً وتقديراً ، فظهر التفاوت بين الآية وبين كلام العرب .