تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
للزاني والسارق الهرب من الحد ولهما أيضاً أن يستترا بستر الله ولا يقرأ ، والفرق أن ذلك حق الآدمي . وأما الجواب عن السؤال الثاني : فهو أن ظاهر الآية يقتضي إيجاب التسوية في القتل والتسوية في القتل صفة القتل وإيجاب الصفة يقتضي إيجاب الذات ، فكانت الآية مفيدة لإيجاب القتل من هذا الوجه ويتفرع على ما ذكرنا مسائل : المسألة الأولى : ذهب أبو حنيفة إلى موجب العمد هو القصاص ، وذهب الشافعي في أحد قوليه إن أن موجب العمد إما القصاص وإما الدية ، واحتج أبو حنيفة بهذه الآية ، ووجه الاستدلال بها في غاية الضعف ، لأنه سواء كان المخاطب بهذا الخطاب هو الإمام أو ولي الدم فهو بالاتفاق مشروط بما إذا كان ولي الدم يريد القتل على التعيين ، وعندنا أنه متى كان الأمر كذلك كان القصاص متعيناً ، إنما النزاع في أن ولي الدم هل يتمكن من العدول إلى الدية وليس في الآية دلالة على أنه إذا أراد الدية ليس له ذلك . المسألة الثانية : اختلفوا في كيفية المماثلة التي دلت هذه الآية على إيجابها فقال الشافعي : يراعي جهة القتل الأول فإن كان الأول قتله بقطع اليد قطعت يد القاتل فإن مات منه في تلك المرأة وإلا حزت رقبته ، وكذلك لو أحرق الأول بالنار أحرق الثاني ، فإن مات في تلك المرة وإلا حزت رقبته ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : المراد بالمثل تناول النفس بأرجى ما يمكن فعلى هذا لا اقتصاص إلا بالسيف بحز الرقبة ، حجة الشافعي رحمه الله أن الله تعالى أوجب التسوية بين الفعلين وذلك يقتضي حصول التسوية من جميع الوجوه الممكنة ، ويدل عليه وجوه أحدها : أنه يجوز أن يقال كتبت التسوية في القتلى إلا في كيفية القتل ، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل ، فدخل هذا على أن كيفية القتل داخلة تحت النص وثانيها : أنا لو لم نحكم بدلالة هذه الآية على التسوية في كل الأمور لصارت الآية مجملة ولو حكمنا فيها بالعموم كانت الآية مفيدة ، لكنها بما صارت مخصوصة في بعض الصور والتخصيص أهون من الإجمال وثالثها : أن الآية لو لم تفد إلا الإيجاب للتسوية في أمر من الأمور فلا شيئين إلا وهما متساويان في بعض الأمور ، فحينئذ لا يستفاد من هذه الآية شيء البتة ، وهذا الوجه قريب من الثاني فثبت أن هذه الآية تفيد وجود التسوية من كل الوجوه ثم تأكد هذا النص بسائر النصوص المقتضية لوجوب المماثلة ، كقوله تعالى : * ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) * ( الشورى : 40 ) * ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) * ( البقرة : 194 ) من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ) * ( غافر : 40 ) ثم تأكدت هذه النصوص المتواترة بالخبر المشهور عن الرسول عليه السلام وهو قوله :
تفسير الرازي — صفحة 53 | فخر الدين الرازي