المسألة الأولى : * ( الرقاب ) * جمع الرقبة وهي مؤخر أصل العنق ، واشتقاقها من المراقبة ، وذلك أن مكانها من البدن مكان الرقيب المشرف على القوم ، ولهذا المعنى يقال : أعتق الله رقبته ولا يقال أعتق الله عنقه ، لأنه لما سميت رقبة كأنها تراقب العذاب ، ومن هذا يقال للتي لا يعيش ولدها : رقوب ، لأجل مراعاتها موت ولدها .
المسألة الثانية : معنى الآية : ويؤتي المال في عتق الرقاب ، قال القفال : واختلف الناس في الرقاب المذكورين في آية الصدقات ، فقال قائلون : إنه يدخل فيه من يشتريه فيعتقه ، ومن يكون مكاتبها فيعينه على أداء كتابته ، فهؤلاء أجازوا شراء الرقاب من الزكاة المفروضة ، وقال قائلون : لا يجوز صرف الزكاة إلا في إعانة المكاتبين ، فمن تأول هذه الآية على الزكاة المفروضة فحينئذ يبقى فيه ذلك الاختلاف ، ومن حمل هذه الآية على غير الزكاة أجاز الأمرين فيها قطعاً ، ومن الناس من حمل الآية على وجه ثالث وهو فداء الأسارى .
واعلم أن تمام الكلام في تفسير هذه الأصناف سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة التوبة في تفسير الصدقات .
الأمر الثالث : من الأمور المعتبرة في تحقق ماهية البر قوله : * ( وأقام الصلاة وآتى الزكاة ) * وذلك قد تقدم ذكره .
الأمر الرابع : قوله تعالى : * ( والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ) * وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في رفع والموفون قولان أحدها : أنه عطف على محل * ( من آمن * ( تقديره لكن البر المؤمنون والموفون ، عن الفراء والأخفش الثاني : رفع على المدح على أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره : وهم الموفون .
المسألة الثانية : في المراد بهذا العهد قولان الأول : أن يكون المراد ما أخذه الله من العهود على عباده بقولهم ، وعلى ألسنة رسله إليهم بالقيام بحدوده ، والعمل بطاعته ، فقبل العباد ذلك من حيث آمنوا بالأنبياء والكتب ، وقد أخبر الله تعالى عن أهل الكتاب أنهم نقضوا العهود والمواثيق وأمرهم بالوفاء بها فقال : * ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) * ( البقرة : 40 ) فكان المعنى في هذه الآية أن البر هو ما ذكر من الأعمال مع الوفاء بعهد الله ، لا كما نقض أهل الكتاب ميثاق الله وما وفوا بعهوده فجحدوا أنبياءه وقتلوهم وكذبوا بكتابه ، واعترض القاضي على هذا القول وقال : إن قوله تعالى : * ( والموفون بعهدهم ) * صريح في إضافة هذا العهد إليهم ، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : * ( إذا عاهدوا ) * فلا وجه لحمله على ما سيكون لزومه ابتداء من قبله تعالى .
تفسير الرازي — صفحة 47
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٤٧