تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
ولا تتبعوا خطوات الشيطان في تحسينه عند الاقتصار على دين التوراة بسبب أنه دين اتفقوا كلهم على أنه حق بسبب أنه جاء في التوراة : تمسكوا بالسبت ما دامت السماوات والأرض ، وبالجملة فالمراد من خطوات الشيطان الشبهات التي يتمسكون بها في بقاء تلك الشريعة . ورابعها : هذا الخطاب واقع على المسلمين * ( يا أيها الذين آمنوا ) * بالألسنة * ( ادخلوا في السلم كافة ) * أي دوموا على الإسلام فيما تستأنفونه من العمر ولا تخرجوا عنه ولا عن شئ من شرائعه * ( ولا تتبعوا خطوات الشيطان ) * أي ولا تلتفتوا إلى الشبهات التي تلقيها إليكم أصحاب الضلالة والغواية ومن قال بهذا التأويل قال : هذا الوجه متأكد بما قبل هذه الآية وبما بعدها ، أما ما قبل هذه الآية فهو ما ذكر الله تعالى في صفة ذلك المنافق في قوله : * ( سعى في الأرض ليفسد فيها ) * وما ذكرنا هناك أن المراد منه إلقاء الشبهات إلى المسلمين ، فكأنه تعالى قال : دوموا على إسلامكم ولا تتبعوا تلك الشبهات التي يذكرها المنافقون ، وأما ما بعد هذه الآية فهو قوله تعالى : * ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ) * ( البقرة : 210 ) يعني هؤلاء الكفار معاندون مصرون على الكفر قد أزيحت عللهم وهم لا يوقفون قولهم بهذا الدين الحق إلا على أمور باطلة مثل أن يأتيهم الله في ظل من الغمام والملائكة . فإن قيل : الموقوف بالشئ يقال له : دم عليه ، ولكن لا يقال له : ادخل فيه والمذكور في الآية هو قوله : * ( ادخلوا ) * . قلنا إن الكائن في الدار إذا علم أن له في المستقبل خروجاً عنها فغير ممتنع أن يؤمر بدخولها في المستقبل حالاً بعد حال ، وإن كان كائناً فيها في الحال ، لأن حال كونه فيها غير الحالة التي أمر أن يدخلها ، فإذا كان في الوقت الثاني قد يخرج عنها صح أن يؤمر بدخولها ، ومعلوم أن المؤمنين قد يخرجون عن خصال الإيمان بالنوم والسهو وغيرهما من الأحوال فلا يمتنع أن يأمرهم الله تعالى بالدخول في المستقبل في الإسلام وخامسها : أن يكون السلم المذكور في الآية معناه الصلح وترك المحاربة والمتنازعة ، والتقدير : يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة أي كونوا موافقين ومجتمعين في نصرة الدين واحتمال البلوى فيه ، ولا تتبعوا خطوات الشيطان بأن يحملكم على طلب الدنيا والمنازعة مع الناس ، وهو كقوله : * ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) * ( آل عمران : 103 ) وقال تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا ) * ( آل عمران : 200 ) وقال : * ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ) * ( آل عمران : 103 ) وقال عليه الصلاة والسلام : " المؤمن يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه " وهذه الوجوه في التأويل ذكرها جمهور المفسرين وعندي فيه وجوه أخر أحدها : أن قوله : * ( يا أيها الذين آمنوا ) * إشارة إلى المعرفة والتصديق بالقلب