تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
الحجة الثالثة : القياس وهو أن ابتداء الحج كف عن المحظورات ، فيصح الشروع فيه بالنية كالصوم ، حجة أبي حنيفة رضي الله عنه وجهان الأول : ما روى أبو منصور الماتريدي في " تفسيره " عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : لا يحرم إلا من أهل أو لبى الثاني : أن الحج عبادة لها تحليل وتحريم فلا يشرع فيه إلا بنفس النية كالصلاة . وأما قوله تعالى : * ( فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو * ( فلا رفث ولا فسوق ) * بالرفع والتنوين * ( ولا جدال ) * بالنصب ، والباقون قرؤا الكل بالنصب . واعلم أن الكلام في الفرق بين القراءتين في المعنى يجب أن يكون مسبوقاً بمقدمتين الأولى : أن كل شئ له اسم ، فجوهر الاسم دليل على جوهر المسمى ، وحركات الاسم وسائر أحواله دليل على أحوال المسمى ، فقولك : رجل يفيد الماهية المخصوصة ، وحركات هذه اللفظة ، أعني كونها منصوبة ومرفوعة ومجرورة ، دال على أحوال تلك الماهية وهي المفعولية والفاعلية والمضافية ، وهذا هو الترتيب العقلي حتى يكون الأصل بإزاء الأصل ، والصفة بإزاء الصفة ، فعلى هذا الأسماء الدالة على الماهيات ينبغي أن يتلفظ بها ساكنة الأواخر فيقال : رحل جدار حجر ، وذلك لأن تلك الحركات لما وضعت لتعريف أحوال مختلفة في ذات المسمى فحيث أريد تعريف المسمى من غير التفات إلى تعريف شئ من أحواله وجب جعل اللفظ خالياً عن الحركات ، فإن أريد في بعض الأوقات تحريكه وجب أن يقال بالنصب ، لأنه أخف الحركات وأقربها إلى السكون . المقدمة الثانية : إذا قلت : لا رجل بالنصب ، فقد نفيت الماهية ، وانتفاء الماهية يوجب انتفاء جميع أفرادها قطعاً ، أما إذا قلت : لا رجل بالرفع والتنوين ، فقد نفيت رجلاً منكراً مبهماً ، وهذا بوصفه لا يوجب انتفاء جميع أفراد هذه الماهية إلا بدليل منفصل ، فثبت أن قولك : لا رجل بالنصب أدل على عموم النفي من قولك : لا رجل بالرفع والتنوين . إذا عرفت هاتين المقدمتين فلنرجع إلى الفرق بين القراءتين فنقول : أما الذين قرؤا ثلاثة : بالنصب فلا إشكال وأما الذين قرؤا الأولين بالرفع مع التنوين ، والثالث بالنصب فذلك يدل على أن الاهتمام بنفي الجدال أشد من الاهتمام بنفي الرفث والفسوق وذلك لأن الرفث عبارة عن قضاء الشهوة والجدال مشتمل على ذلك ، لأن المجادل يشتهي تمشية قوله ، والفسوق عبارة عن مخالفة أمر الله ، والمجادل لا ينقاد للحق ، وكثيراً ما يقدم على الإيذاء والإيحاش المؤدي إلى العداوة
تفسير الرازي — صفحة 179 | فخر الدين الرازي