تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
الحجة الرابعة : قوله تعالى : * ( ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ) * ( الأعراف : 55 ) وقال : * ( قل ما يعبئوا بكم ربي لولا دعاؤكم ) * ( الفرقان : 77 ) والآيات كثيرة في هذا الباب فمن أبطل الدعاء فقد أنكر القرآن . والجواب عن الشبهة الأولى : أنها متناقضة ، لأن إقدام الإنسان على الدعاء إن كان معلوم الوقوع فلا فائدة في اشتغالكم بإبطال الدعاء ، وإن كان معلوم العدم لم يكن إلى إنكاركم حاجة ، ثم نقول : كيفية علم الله تعالى وكيفية قضائه وقدره غائبة عن العقول ، والحكمة الإلهية تقتضي أن يكون العبد معلقاً بين الرجاء وبين الخوف اللذين بهما تنم العبودية ، وبهذا الطريق صححنا القول بالتكاليف مع الاعتراف بإحاطة علم الله بالكل وجريان قضائه وقدره في الكل ، ولهذا الإشكال سألت الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أرأيت أعمالنا هذه أشئ قد فرغ منه أم أمر يستأنفه ؟ فقال : بل شيء قد فرغ منه . فقالوا : ففيم العمل إذن ؟ قال : " اعملوا فكل ميسر لما خلق له " فانظر إلى لطائف هذا الحديث فإنه عليه السلام علقهم بين الأمرين فرهبهم سابق القدر المفروغ منه ثم ألزمهم العمل الذي هو مدرجة التعبد ، فلم يعطل ظاهر العمل بما يفيد من القضاء والقدر ، ولم يترك أحد الأمرين للآخر ، وأخبر أن فائدة العمل هو المقدر المفروغ منه فقال : " كل ميسر لما خلق له " يريد أنه ميسر في أيام حياته للعمل الذي سبق له القدر قبل وجوه ، إلا أنك تحب أن تعلم ههنا فرق ما بين الميسر والمسخر فتأهب لمعرفته فإنه بمنزلة مسألة القضاء والقدر ، وكذا القول في باب الكسب والرزق فإنه مفروغ منه في الأصل لا يزيده الطلب ولا ينقصه الترك . والجواب عن الشبهة الثانية : أنه ليس المقصود من الدعاء الإعلام ، بل إظهار العبودية والذلة والانكسار والرجوع إلى الله بالكلية . وعن الثالثة : أنه يجوز أن يصير ما ليس بمصلحة مصلحة بحسب سبق الدعاء . وعن الرابعة : أنه إذا كان مقصوده من الدعاء إظهار الذلة والمسكنة ثم بعد رضى بما قدره الله وقضاه ، فذلك أعظم المقامات وهذا هو الجواب عن بقية الشبه في هذا الباب . المسألة الثالثة : في الآية سؤال مشكل مشهور ، وهو أنه تعالى قال : * ( ادعوني أستجب لكم ) * ( غافر : 60 ) وقال في هذه الآية : * ( أجيب دعوة الداع إذا دعان ) * وكذلك * ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ) * ( النمل : 62 ) ثم إنا نرى الداعي يبالغ في الدعاء والتضرع فلا يجاب . والجواب : أن هذه الآية وإن كانت مطلقة إلا أنه قد وردت آية أخرى مقيدة ، وهو قوله تعالى : * ( بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ) * ( الأنعام : 41 ) ولا شك أن المطلق محمول على المقيد ، ثم تقرير المعنى فيه وجوه أحدها : أن الداعي لا بد وأن يجد من دعائه عوضاً ، إما إسعافاً بطلبته