سورة الغاشية
وهي عشرون وست آيات مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
* ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ ) * .
اعلم أن في قوله : * ( هل أتاك حديث الغاشية ) * مسألتين :
المسألة الأولى : ذكروا في الغاشية وجوهاً أحدها : أنها القيامة من قوله : * ( يوم يغشاهم العذاب ) * ( العنكبوت : 55 ) إنما سميت القيامة بهذا الاسم ، لأن ما أحاط بالشيء من جميع جهاته فهو غاش له ، والقيامة كذلك من وجوه الأول : أنها ترد على الخلق بغتة وهو كقوله تعالى : * ( أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله ) * ( يوسف : 107 ) ، والثاني : أنها تغشى الناس جميعاً من الأولين والآخرين . والثالث : أنها تغشى الناس بالأهوال والشدائد القول الثاني : الغاشية هي النار أي تغشى وجوه الكفرة وأهل النار قال تعالى : * ( وتعشى وجوههم النار ) * ( إبراهيم : 50 ) ومن فوقهم غواش ) * ( الأعراف : 41 ) وهو قول سعيد بن جبير ومقاتل القول الثالث : الغاشية أهل النار يغشونها ويقعون فيها والأول أقرب ، لأن على هذا التقدير يصير المعنى أن يوم القيامة يكون بعض الناس في الشقاوة ، وبعضهم في السعادة .
المسألة الثانية : إنما قال : * ( هل أتاك ) * وذلك لأنه تعالى عرف رسول الله من حالها ، وحال الناس فيها ما لم يكن هو ولا قومه عارفاً به على التفصيل ، لأن العقل إن دل فإنه لا يدل إلا على أن حال العصاة مخالفة لحال المطيعين . فأما كيفية تلك التفاصيل فلا سبيل للعقل إليها ، فلما عرفه الله تفصيل تلك الأحوال ، لا جرم قال : * ( هل أتاك حديث الغاشية ) * .
أما قوله تعالى : * ( وجوه يومئذ خاشعة * عاملة ناصبة ) * فاعلم أنه وصف لأهل الشقاوة ، وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : المراد بالوجوه أصحاب الوجوه وهم الكفار ، بدليل أنه تعالى وصف الوجوه بأنها خاشعة عاملة ناصبة ، وذلك من صفات المكلف ، لكن الخشوع يظهر في الوجه فعلقه بالوجه لذلك ، وهو كقوله : * ( وجوه يومئذ ناضرة ) * ( القيامة : 22 ) وقوله : * ( خاشعة ) * أي ذليلة قد عراهم الخزي والهوان ، كما قال : * ( ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم ) * ( السجدة : 12 ) وقال : * ( وتراهم يعرضون
تفسير الرازي — صفحة 151
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٥١