إن جهنم كانت مرصادا ( 21 )
إذا رجت الأرض رجا ، وبست الجبال بسا ، فكانت هباء منبثا ) .
( والحالة الرابعة ) أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها والأرض
تحتها غير بارزة فتنسف عنها بإرسال الرياح عليها وهو المراد من قوله ( فقل ينسفها رب نسفا ) .
( والحالة الخامسة ) أن الرياح ترفعها عن وجه الأرض فتطيرها شعاعا في الهواء كأنها غبار
فمن نظر إليها من بعد حسبها لتكاثفها أجساما جامدة وهي بالحقيقة مارة إلا أن مرورها بسبب مرور
الرياح بها ( صيرها ) مندكة متفتتة ، وهي قوله ( تمر مر السحاب ) ثم بين أن تلك الحركة حصلت
بقهره وتسخيره ، فقال ( ويوم نسير الجبال ، وترى الأرض بارزة ) .
( الحالة السادسة ) أن تصير سرابا ، بمعنى لا شئ ، فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئا ،
كما أن من يرى السراب من بعد إذا جاء الموضع الذي كان يراه فيه لم يجده شيئا والله أعلم .
واعلم أن الأحوال المذكورة إلى ههنا هي : أحوال عامة ، ومن ههنا يصف أهوال جهنم
وأحوالها .
فأولها قوله تعالى ( إن جهنم كانت مرصادا ) وفيه مسائل :
( المسألة الأولى ) قرأ ابن يعمر : أن جهنم بفتح الهمزة على تعليل قيام الساعة ، بأن جهنم
كانت مرصادا للطاغين ، كأنه قيل كان كذلك لإقامة الجزاء .
( المسألة الثانية ) كانت مرصادا ، أي في علم الله تعالى ، وقيل صارت ، هذان القولان
نقلهما القفال رحمه الله تعالى ، وفيه وجه ثالث ذكره القاضي ، فإنا إذا فسرنا المرصاد بالمرتقب ،
أفاد ذلك أن جهنم كانت كالمنتظرة لمقدمهم من قديم الزمان ، وكالمستدعية والطالبة لهم .
( المسألة الثالثة ) في المرصاد قولان ( أحدهما ) أن المرصاد اسم للمكان الذي يرصد فيه ،
كالمضمار اسم للمكان الذي يضمر فيه الخيل ، والمنهاج اسم للمكان الذي ينهج فيه ، وعلى هذا الوجه
فيه احتمالان ( أحدهما ) أن خزنة جهنم يرصدون الكفار ( والثاني ) أن مجاز المؤمنين وممرهم
كان على جهنم ، لقوله ( وإن منكم إلا واردها ) فخزنة الجنة يستقبلون المؤمنين عند جهنم ،
ويرصدونهم عندها .
( القول الثاني ) أن المرصاد مفعال من الرصد ، وهو الترقب ، بمعنى أن ذلك يكثر منه ،
والمفعال من أبنية المبالغة كالمعطار المعمار والمطعنان ، قيل إنها ترصد أعداء الله وتشق عليهم ،
كما قال تعالى ( تكاد تميز نم الغيظ ) قيل ترصد كل كافر ، ومنافق ، والقائلون بالقول الأول .
استدلوا على صحة قولهم بقوله تعالى ( إن ربك لبالمرصاد ) ولو كان المرصاد نعتا لوجب أن
يقال : إن ربك لمرصاد .
تفسير الرازي — صفحة 12
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٢