هديناك إلى هذه الأسرار ، وشرحنا صدرك بهذه الأنوار ، وإذ قد فعلنا بك ذلك فكن منقاداً مطيعاً لأمرنا ، وإياك وأن تكون منقاداً مطيعاً لغيرنا ، ثم لما أمره بطاعته ، ونهاه عن طاعة غيره قال : * ( واذكر اسم ربك ) * وهذا إشارة إلى أن العقول البشرية ليس عندها إلا معرفة الأسماء والصفات ، أما معرفة الحقيقة فلا ، فتارة يقال له : * ( واذكر اسم ربك ) * وهو إشارة إلى معرفة الأسماء ، وتارة يقال له : * ( واذكر ربك في نفسك ) * وهو إشارة إلى مقام الصفات ، وأما معرفة الحقيقة المخصوصة التي هي المستلزمة لسائر اللوازم السلبية والإضافية ، فلا سبيل لشيء من الممكنات والمحدثات ، إلى الوصول إليها والاطلاع عليها ، فسبحان من اختفى عن العقول لشدة ظهوره واحتجب عنها بكمال نوره .
واعلم أنه تعالى لما خاطب رسوله بالتعظيم والنهي والأمر عدل إلى شرح أحوال الكفار والمتمردين ، فقال تعالى :
* ( إِنَّ هَؤُلاَءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ) * .
والمراد أن الذي حمل هؤلاء الكفار على الكفر ، وترك الالتفات والإعراض عما ينفعهم في الآخرة ليس هو الشبهة حتى ينتفعوا بالدلائل المذكورة في أول هذه السورة ، بل الشهوة والمحبة لهذه اللذات العاجلة والراحات الدينية ، وفي الآية سؤالان : السؤال الأول : لم قال : وراءهم ولم يقل : قدامهم ؟ الجواب : من وجوه أحدها : لما لم يلتفتوا إليه ، وأعرضوا عنه فكأنهم جعلوه وراء ظهورهم وثانيها : المراد ويذرون وراءهم مصالح يوم ثقيل فأسقط المضاف وثالثها : أن تستعمل بمعنى قدام كقوله : * ( من ورائه جهنم ) * ( إبراهيم : 16 ) * ( وكان وراءهم ملك ) * ( الكهف : 79 ) .
السؤال الثاني : ما السبب في وصف يوم القيامة بأنه يوم ثقيل ؟ الجواب : استعير الثقل لشدته وهوله ، من الشيء الثقيل الذي يتعب حامله ونحوه * ( ثقلت في السماوات والأرض ) * ( الأعراف : 187 ) . ثم إنه تعالى لما ذكر أن الداعي لهم إلى هذا الكفر حب العاجل ، قال :
* ( نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً ) * .
والمراد أن حبهم للعاجلة يوجب عليهم طاعة الله من حيث الرغبة ومن حيث الرهبة ، أما من حيث الرغبة فلأنه هو الذي خلقهم وأعطاهم الأعضاء السليمة التي بها يمكن الانتفاع باللذات العاجلة ، وخلق جميع ما يمكن الانتفاع به ، فإذا أحبوا اللذات العاجلة ، وتلك اللذات لا تحصل
تفسير الرازي — صفحة 260
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٦٠